الثاني: أنَّ جيش الروم كان مائتي ألفٍ، مائة ألف من العرب عليهِم مالك بن رافلة، وقد قُتل مالك بن رافلة، قتله قطبة بن قتادة العذريِّ، وكان على رأس ميمنة المسلمين في مؤتة، ورُويت عنه أبيات يقول فيها:
طعنتُ ابنَ رافلةَ ابن الإراشِِ ... برمحٍ مَضَى فيه ثمَّ انحَطَم
ضربتُ على جيدهِ ضرَبةً ... فمالَ كما مالَ غُصنُ السَّلَم
وسُقنا نساءَ بني عمِّه ... غداةَ رقوقين سَوقَ النَّعَم
وقُتل غيره من كبار الروم كما يأتي، قال ابن كثير: "وهذا يؤيد ما نحن فيه لأن من عادة أمير الجيش إذا قتل أن يفر أصحابه"، وقد كان ابن رافلة أميرًا لجيش العرب وهم مائةُ ألف أي نصف الجيش.
الثالث: ما قيل إنَّ المسلمين سبوا منهم، كما في أبيات قطبة بن قتادة العذريِّ، ومعلومٌ أنَّ الذي يسبي إنَّما هو المنتصر لا المنهزم الذي ينشغل بالسلامة وحفظ رأس المال.
الرابع: ما جاء في الغنائم التي غنمها المسلمون أو بعضهم، وَسَلَب القتيل الذي قُتل من كبار الروم، وقد استدلَّ بذلك ابن كثير: والحديث أخرجه مسلم مختصرًا، وأبو داود وأحمد مطولًا، وذكر فيه قصة رجل من الروم على فرس مذهب، ومعه سيف مذهب، قال وكان يُغري بالمسلمين، فذكر الحديثَ وقصة سلبه وأنَّ خالدًا استكثره فألحقه بالغنيمة وخمَّسه، والحديث مشهور عند الفقهاء في مسألة سلب القتيل.
والمنهزم في الغالب لا يلوي على شيء، ولا يتمكن من أخذ ماله كله، فضلًا عن الغنيمة من عدوِّه، كما أنَّ مقتل رجلٍ كهذا الرومي، مع من قتل من كبار الروم والعرب المشركين، يقتضي في الغالب هزيمة الروم.
الخامس: استدلَّ ابن كثير بما رواه البخاري أن خالدًا رضي الله عنه قال: اندقَّت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلا صفحة يمانية، قال ابن كثير: وهذا يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم وهذا وحده دليل مستقل والله أعلم. ا. هـ
وأما تلقي المسلمين المنهزمين ونعتهم بالفُرَّار، فقد أجاب عنه ابن كثيرٍ وجوابه يتلخَّص فيما يلي:
الأول: أنَّه لا يمكن أن يسمِّي المسلمون خالد بن الوليد ومن معه فُرَّارًا، بعد أن سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لهم في الخطبة قبل قدوم الجيش: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله عليه.
الثاني: أنَّ المنهزمين إنَّما كانوا طائفة من الجيش لمَّا رأوا كثرة العدو، واستدلَّ بما رواه أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر بإسناد فيه ضعفٌ، قال ابن كثير: وعندي أن ابن اسحاق قد وهم في هذا