فهرس الكتاب

الصفحة 118 من 234

ونحوه قول قتادة: ذُكِر لنا أنهما كانا رجلين من قريش كانا مع المشركين بمكة, وكانا قد تكلما بالإسلام ولم يهاجرا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم. فلقيهما ناس من أصحاب نبيّ الله وهما مقبلان إلى مكة, فقال بعضهم: إن دماءهما وأموالهما حلال, وقال بعضهم: لا تحلّ لكم، فتشاجروا فيهما, فأنزل الله في ذلك: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) حتى بلغ: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) .

وقول معمر: بلغني أن ناسًا من أهل مكة كتبوا إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم أنهم قد أسلموا, وكان ذلك منهم كذبًا، فلقوهم فاختلف فيهم المسلمون؛ فقالت طائفة: دماؤهم حلال, وقالت طائفة: دماؤهم حرام، فأنزل الله: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) .

ومثلُها ما روى عُبيد بن سُليمان عن الضحَّاك: هم ناس تخلفوا عن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم, وأقاموا بمكة وأعلنوا الإيمان ولم يهاجروا؛ فاختلف فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, فتولاهم ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ من ولايتهم آخرون, وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا. فسماهم الله منافقين, وبرأ المؤمنين من ولايتهم, وأمرهم أن لا يتولوهم حتى يهاجروا.

وقد رُوي عن ابن عباس من رواية العوفيين وهي ضعيفة: أن قومًا كانوا بمكة قد تكلموا بالإسلام, وكانوا يظاهرون المشركين, فخرجوا من مكة يطلبون حاجة لهم, فقالوا: إن لقينا أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام, فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة قالت فئة من المؤمنين: اركبوا إلى الخبثاء فاقتلوهم فإنهم يظاهرون عليكم عدوّكم، وقالت فئة أخرى من المؤمنين: سبحان الله - أو كما قالوا - أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به من أجل أنهم لم يهاجروا ويتركوا ديارهم تستحلّ دماؤهم وأموالهم لذلك؟ فكانوا كذلك فئتين والرسول عليه الصلاة والسلام عندهم لا ينهى واحدًا من الفريقين عن شيء؛ فنزلت: (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) الآية.

وظاهرُ بعض هذه الآثار أنَّ السبب الَّذي حُكم لأجله بكفرهم هو تركهم الهجرة، والمعروف أنَّ ترك الهجرة في أوَّل الإسلام كان كبيرةً يُعاقب عليها بقطع الولاية دون تكفيرٍ كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ، فجعل الولاية مع قطعها المؤكّد بالنفي العام تُوجب النصرة على من لم يكن بينه وبين المؤمنين ميثاق وهذا دليلٌ على بقاء حكم الإسلام، ووجوبُ الهجرة وتعليق الولاية عليها مما نُسخ بالاتفاق بعد الفتح.

والأظهر أنَّ تكفيرهم كان بأمورٍ أُخرى غير ترك الهجرة وإن كان ترك الهجرة مقدّمةً لها وسببًا، من مظاهرة المشركين على المسلمين، أو سبٍّ للمسلمين، أو حبٍّ لانتصار الشرك على الإسلام، ونحو ذلك فهم ممن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت