فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 234

ثم بعد ذلك قد تُشارك أهل العقول .. وتقول إنَّ القمر من أجمل ما خلق الله عز وجل .. وتُبصر ما فيه من نور وبهاءٍ غالى العشَّاق في معشوقيهم كثيرًا ليتمكنّوا من تشبيههم بالقمر .. وتقديم ذلك التشبيه قربانًا إلى من يحبون .. !!

وقد تسلك مسلك (حسدًا حمَّلنه من شأنها) أو (خالف تعرف) أو (على دين ملوكهم) أو (وإن يروا كلَّ آية) .. لتقول إنَّ القمر قبيح المنظر .. كريه المرآة .. أسودُ أظلم .. وربما نقّبت في الكتب لتجد أنَّ من الناس من وصف القمر بالكلف والجدري وما إلى ذلك .. أعلمُ أنَّك لن تعجز أن تفعل هذا ..

أمَّا إن كُنتَ ممن نوَّر الله بصيرته، فإنَّك لا ريب .. ستحسد كل من خطط أو شارك أو حرَّض أو أمر بهذه العملية المباركة، وتتمنى لو كنتَ مكانه، وتفرح به كلما تذكَّرته، وتعقد الخنصر عليه نصرًا من انتصارات المؤمنين، تحدث به الناس فيما بعد حين تذكرهم بأيام الله ...

لقد احتاجت البشرية إلى آلاف السنين لتستنفد وصف الأشياء .. واستغرقت الثقافات واللغات المختلفة قرونًا طويلة لتُعلن الإفلاس الأولي في وصف الشمس والقمر والبحر ومنظر الغروب وتنهّدات العاشق وألم الفراق وفرحة اللقاء ومسامرة النجوم .. حتى أصبح كل من أعمل ذهنه على الابتكار يقع في ورطة (وقع الحافر على الحافر) ، بحيثُ لم تعد الزيادة ممكنة إلاَّ عن طريق الصدفة، على تشكيك من كثير من الفطاحلة ربما على رأسهم امرؤ القيس حين يتعزى بتقليد من قبله ويقول: (نبكي الطلولَ كما بكى ابنُ حزامِ) ، وكعب بن زهير إذ يقول:

ما أُرانا نقول إلاَّ مُعادًا ... وقديمًا من قولهم مكرورًا!

الأمر الغريب ليس هذا الذي سبق .. الغريب حقًّا أنَّ البشريَّة على اختلاف (ألسنتكم وألوانكم) أنتجت ما يُقارب إنتاجها في وصف (غروب الشمس) ، و (البكاء على الأطلال) ولكن في ظرف ثلاث سنوات فقط؛ وذلك لوصف حدث يسير محدد هو عملية دخول ثلاث طائرات في ثلاثة مبانٍ!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت