الصفحة 1 من 103

بسم الله الرحمن الرحيم.

إلى قادة المجاهدين .. فكوا العاني

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

من المُسَلَّم به عند كل مسلم أن حرمة المسلم قد حاطها الشرع الحنيف بسياج سميك من الحفظ والصيانة فلا يجوز انتهاكها ولا التفريط بها سواء من قبل صاحبها أو من عموم المسلمين وقد جاءت النصوص الكثيرة كتابا وسنة على تقرير هذا المعنى وتأكيده كقوله صلى الله عليه وسلم (البخاري مع الفتح(10 / ص 483) : (( كل المسلم على المسلم حرام دمه وما له وعرضه .. ) )والنصوص -كما ذكرت-كثرة معروفة.

وما أريد الكلام عنه في هذه الورقات هو حفظ حرمة المسلم في (دينه) وهي حرمة لا شك تربوا -على العموم- على حرمة (الدم والمال والعرض) ، وذلك بوجوب الحرص والسعي إلى تخليص (المسلمة والمسلم) من الفتنة وذل الأسر والاستعباد عن طريق مفاداتهم بأسرى الكفار الأصليين أو أسرى المرتدين.

ملاحظة: والمذكور في هذه الورقات غير المذكور في رسالة (إرشاد الكماة إلى حكم المفاداة) ، فهذه أملتها حادثة قتل الأخت ساجدة الريشاوي ومن معها رحمهما الله تعالى.

وفي بيان عظمة حرمة المسلم ووجوب السعي لتحريره (من ذل الأسر) يقول الإمام النووي رحمه الله في (أسنى المطالب شرح روض الطالب -(ج 20 / ص 289) :.

(وكذا لو أسروا مسلما وأمكن تخليصه) منهم بأن رجوناه (تعين جهادهم) وإن لم يدخلوا دارنا؛ لأن حرمة المسلم أعظم من حرمة الدار ولخبر البخاري (( فكوا العاني ) )اهـ.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في بيان عظمة تلك الحرمة كما في (البيان والتحصيل(2/ 560) : (ما أحب أن افتتح حصنا من حصونهم -يقصد المشركين- بقتل رجل من المسلمين!!) اهـ.

فلا يجوز والحال هذا أن تهدر هذه الحرمة التي هي (أعظم من حرمة الدار) مراعاة لمصلحة لا توازيها، بل ولا تدانيها (إقامة الحد على مرتد) .

وقد تواتر وتواطأ كلام أئمتنا رحمهم الله تعالى على وجوب مراعاة حرمة المسلم في دينه ونفسه (بفكاك أسره) مهما كلف ذلك!!.

وهذه بعضها:

قال القرطبي رحمة الله تعالى في تفسيره (ج 5 / ص 279) لقول الله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ .. } (النساء: من الآية 75)

(حض على الجهاد. وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين؛ فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس، وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال؛ وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها.

قال مالك: (واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم) ، وهذا لا خلاف فيه؛ لقوله عليه السلام (( فكوا العاني ) )اهـ.

ونقل القرطبي في تفسيره (ج 8 / ص 57) لقول الله تعالى {وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} (الأنفال: من الآية 72) عن ابن العربي رحمه الله تعالى قوله: (إلا أن يكونوا أسراء مستضعفين فإن الولاية معهم قائمة والنصرة لهم واجبة، حتى لا تبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم حتى لا يبقى لأحد درهم. كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون، على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسر العدو وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول الأحوال والقدرة والعدد والقوة والجلد .. ) اهـ

وفي قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري (ج 10 / ص 258) (( .. لا يقتل مسلم بكافر ) )، دلالة على أنه لا يقتل مرتد (إقامة حد) إذا أدى ذلك إلى تفويت مصلحة تخليص الأسير المسلم بإطالة حبسه أو أدى ذلك إلى قتله أو فتنته في دينه لأن كلمة (كافر) نكرة واردة في سياق النفي فهي على هذا تفيد العموم أي أنها تشمل (المرتد) لأنه كافر فلا يقتل به المسلم قتلا حسيا أو قتلا معنويا -كما سيأتي-، بل لو أجرينا هذا الحكم على القياس لكان قياسا أولويا أعني: إذا لم يجز قتل المسلم بالكافر فلا يجوز بالمرتد من باب أولى.

يقول الكساني رحمه الله تعالى في بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (7/ 120) : (وأما) مفاداة الأسير فلا تجوز عند أبي حنيفة - عليه الرحمة - وعند أبي يوسف ومحمد تجوز (وجه) قولهما أن في المفاداة إنقاذ المسلم، وذلك أولى من إهلاك الكافر) اهـ.

والسر (الحكمة) في هذه الأولوية -إنقاذ المسلم أولى من إهلاك الكافر- هو ما ذكره ولي الله الدهلوي رحمه الله في حجة الله البالغة - (ج 1 / ص 744) فقال: (( لا يقتل مسلم بكافر) أقول (القائل الدهلوي) : والسر في ذلك أن المقصود الأعظم في الشرع تنويه الملة الحنيفية، ولا يحصل إلا بأن يفضل المسلم على الكافر، ولا يسوي بينهما) اهـ.

وهذه الأفضلية -أفضلية المسلم على الكافر- المذكورة في كلام الأئمة رحمهم الله تعالى ليس مناطها (شخص المسلم) وإنما مناطها (وصفه) أي (الإسلام) .

لذلك وجبت المحافظة على ذلك الوصف من عوادي الفتن.

فمن أقام الحد على مرتد وهو يظن -يغلب على ظنه- أنه مؤد إلى ما ذكرنا (القتل، أو إطالة الحبس) -من غير عذر شرعي معتبر- فقد ناقض مقصود الشرع (حيث سوى - من حيث لا يشعر- بين مسلم وكافر!!) .

ويتأكد هذا الوجوب (مفاداة الأسير المرتد بأسرى المسلمين) إذا أفضى -زيادة على ذلك- إلى مصالح أخرى قد تؤدي إلى حياة (الأمة) التي هي أولى بالعناية من حياة الفرد كالذي نراه في المناطق القبلية التي يؤدي مفاداة (مرتد) من أبنائها إما إلى تجنيد القبيلة في صف المجاهدين أو - على الأقل- إلى تحييدها.

وأعني بحياة الأمة أي: (ما به حياتها) وهو (الجهاد في سبيل الله تعالى) ، وهو أحد الأقوال المعتبرة التي فسر بها قول الله تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ .. } (لأنفال: من الآية 24) :

جاء في التفسير القيم لابن القيم (1/ 299) : (قال الواحدي: والأكثرون على أن معنى قوله: {لِما يُحْيِيكُمْ} هو الجهاد، وهو قول ابن إسحاق، واختيار أكثر أهل المعاني.

قال الفراء: إذا دعاكم إلى إحياء أمركم بجهاد عدوكم، يريد أن أمرهم إنما يقوى بالحرب والجهاد، فلو تركوا الجهاد ضعف أمرهم، واجترأ عليهم عدوهم.

قلت (القائل ابن القيم رحمه الله) : الجهاد من أعظم ما يحييهم به في الدنيا، وفي البرزخ، وفي الآخرة ... ) اهـ.

ثم فصل رحمه الله في ذلك ينظر تفصيل ذلك في التفسير المذكور.

ومراعاة هذه المصلحة درءا لمفسدة أعظم منها (إما قتل الأسير المسلم، وإما فتنته عن دينه) وإما غيرها من المفاسد، قد راعاها أئمتنا رحمهم الله في مسألة لها تعلق كبير بمسألتنا (تطبيق حد يؤدي إلى مفسدة تأليب قبيلة الجاني) .

فقد ورد في (حاشية الدسوقي على الشرح الكبير(ج 19 / ص 22) في (باب في الحرابة) .

(قوله: وبالقتل يجب قتله) أي ما لم تكن المصلحة في إبقائه بأن يخشى بقتله فساد أعظم من قبيلته المتفرقين فلا يجوز قتله بل يطلق ارتكابا لأخف الضررين كما أفتى به الشبيبي وأبو مهدي وتلميذهما ابن ناجي) اهـ.

وقوله (وبالقتل يجب قتله) أي إذا قتل (المحارب -من الحرابة-) وجب قتله إلا .. إلخ.

ومما يجب التنبه له والتنبيه عليه .. (لأن له مدخلا في تأكيد حكم وجوب مفاداة الأسير المرتد بالأسير المسلم) أن الأسير المسلم يتعرض لنوعين من القتل!! أحدهما أشد من الآخر.

أحدهما: القتل الحسي .. بإزهاق الروح وهذا في حق من حكم عليه (بالإعدام) .

الثاني: القتل المعنوي .. وهو (فتنة الأسير في دينه) ولا شك أن هذا أعظم القتلتين.

فقد مر معنا قول القرطبي رحمه الله تعالى: في تفسيره لقول الله تعالى {وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ .. } (حض على الجهاد. وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين .. ) اهـ.

و لا أريد أن أطنب في الاستدلال لصحة هذا القول فيكفي للدلالة على ذلك شواهد (الواقع) .

إذ أننا نرى أن كل التراجعات (الانقلاب على الأعقاب) التي سماها أصحابها مراجعات!، والانتكاسات التي سماها أهلها تصحيحات! إنما كانت خريجة وطأة فتن السجون الطاغوتية كما حدث مع بعض قيادات الجماعة الإسلامية المصرية، والجماعة المقاتلة الليبية .. وكثير من الأفراد (قادة وغيرهم) .

وأما كون هذه القتلة (المعنوية -الفتنة في الدين-) هي أشد القتلتين فذلك ما نص عليه القرآن الكريم.

كما قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة: من الآية 217) .

وقال سبحانه: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة: من الآية 191) .

قال ابن جرير الطبري رحمه الله في تفسيره (3/ 565) : (قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} والشرك بالله أشدُّ من القتل.

وقد بينت فيما مضى أن أصل (الفتنة) الابتلاءُ والاختبار.

فتأويل الكلام: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجعَ عنه فيصير مشركا بالله من بعد إسلامه، أشدُّ عليه وأضرُّ من أن يُقتل مقيمًا على دينه متمسكا عليه، مُحقًّا فيه .. (ثم ساق بسنده) عن مجاهد في قول الله: {والفتنة أشدُّ من القتل} قال: ارتداد المؤمن إلى الوَثن أشدُّ عليه من القتل) اهـ.

وعليه فكل من قدر على تخليص المسلم من فتنة الأسر إما بالقوة وإما بالمال وإما بالمفاداة ولم يفعل - من غير عذر شرعي معتبر- فقد أعان على قتله من حيث لا يشعر، ويتأكد هذا الأمر (المفاداة) في حق الأخوات الأسيرات لأنهن - بلا شك- أضعف وتأثرهن بالفتنة أكبر

ومما قد يلحق بالقتلتين (المعنوية و الحسية) ، بل قد يربو على القتل الحسي و هو من إفرازات السجن (إهانة المسلم وإذلاله) .

ويدلك على هذا أن كلمة (العاني) الواردة في الحديث فيها هذا المعنى (الذل والمعاناة) .

يقول ابن الْأثير رحمه الله في شرح قول النبي صلى الله عليه وسلم (( فكوا العاني ) ) (عمدة القاري شرح صحيح البخاري(14/ 294) .

(والعاني الْأَسير وكل من ذل واستكان وخضع فقد عَنَّا) اهـ.

والحر -لا شك- أنه يفضل القتل على أن يهان كما قال المتلمس:

ألم تر أن المرء رهن منيةٍ * صريعٌ لعافي الطير أو سوف يرمس

فلا تقبلن ضيمًا مخافة ميتةٍ * وموتن بها حرًا وجلدك أملس.

قال في (شرح ديوان الحماسة(1/ 466) : (وقوله فلا تقبلن ضيمًا يقول: ادفع عن نفسك خطة الضيم والهضيمة، ولا تلتزم العار والدنية، إشفاقًا من المنية .. وقوله وموتن بها، الضمير من بها يرجع إلى المخافة، أي مت بتلك المخافة حرًا لم يستعبدك الخصم، ولم يستوطئك الظلم، وجلدك نقيٌ من العيب، سليمٌ من العار والشين) اهـ.

ولأن العيش تحت نير الذل والاستعباد هو عيش الأحياء الموتى ولا شك أن هذا ما لا يرضاه الله سبحانه للمسلم الذي جعل له العزة ولا سيما المجاهد في سبيل الله تعالى، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ} (المنافقون: من الآية 8) .

وقال الشاعر في الأحياء الموتى:

ليس من مات فاستراح بميت * إنما الميت ميت الأحياء

إنما الميت من يعيش ذليلا * سيئا باله قليل الرجاء).

الرواية المشهورة للبيت: (إنما الميت من يعيش كئيبا) وما ذكرته هنا عن (الأصمعيات(1/ 152) .

ولهذا يمكن القول بأن تخليص الأسير المسلم من القتل المعنوي (الفتنة في الدين) ، وكذا من (الذل والاستعباد) المسلط عليه من قبل زبانية الردة يدخل دخولا أولويا في قول النبي صلى الله عليه وسلم (( لا يقتل مسلم بكافر ) )الذي يشمل الكفر الأصلي والطارئ (الردة)

وفي آخر هذه الكلمة أقول لأمراء الجهاد (فكوا العاني) وفرجوا عنه لعل الله أن يفرج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت