وقال الإمام النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم [16/ 138 - 139] وهو يعدد فوائد امتناع النبي صلى الله عليه وسلم من قتل ذي الخويصرة الذي سبق ذكره في كلام ابن القيم رحمه الله وذلك عند قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه لما استأذنه في قتل الرجل المذكور (( دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ) ).
قال: (فيه ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الحلم وفيه ترك بعض الأمور المختارة والصبر على بعض المفاسد خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه وكان صلى الله عليه وسلم يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين وتتم دعوة الإسلام ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة ويرغب غيرهم في الإسلام وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى ولإظهارهم الإسلام وقد أمر بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه صلى الله عليه وسلم ويجاهدون معه إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم) اهـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في [مجموع الفتاوى: 7/ 422 - 423] :
(كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتنع من عقوبة المنافقين؛ فإن فيهم من لم يكن يعرفهم كما أخبر الله بذلك؛ والذين كان يعرفهم لو عاقب بعضهم لغضب له قومه؛ ولقال الناس: إن محمدا يقتل أصحابه؛ فكان يحصل بسبب ذلك نفور عن الإسلام؛ إذ لم يكن الذنب ظاهرا يشترك الناس في معرفته) اهـ
ولو قتل الإخوة في كتيبة شهداء أبوسليم مصطفى عبد الجليل (الذي اجتمعت عليه القبائل والأعيان .. ) ، لكان يحصل بذلك نفور عن الجهاد و (تأليب القبائل والدخول في حرب مباشرة بينهم وبين الأخوة) فلمَ التثريب عليهم؟!.
ويقول الشيخ الغنيمان في توجيه وتعليل عدم إقامة الحد على هؤلاء المنافقين بعد ثبوته عليهم.
( .. الأمر الثاني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم امتنع من قتل من يجب عليه القتل؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(( لئلا يتحدث الناس أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه ) )، فيكون هذا منفرًا للذين لا يعرفون الحقيقة، فامتنع من تنفيذ الحكم من أجل ذلك.
وهذا الذي أخذ منه العلماء: أن الشريعة الإسلامية جاءت بتنمية المصالح وتكثيرها، وتقليل المفاسد وحصرها مهما أمكن، وإذا صار الأمر دائرًا بين مفسدة ومصلحة فينظر إن كانت المفسدة أغلب فإنه يترك، وهذا من هذا القبيل) اهـ. من [شرح فتح المجيد شرح كتاب التوحيد]