الصفحة 247 من 275

في النصف الأول من القرن العشرين لم أوروبا في النصف الثاني لذلك القرن. من بعض النواحي، تذكرنا آسيا اليوم بشكل غامض ومخيف باوروبا قبل العام 1914. ولا يعني ذلك أن المنطقة محكوم عليها بالتدمير الذاتي كما حدث في اوروبا. فربما تتجنب آسيا تكرار فشل أوروبا في التعامل مع تنافس القوى الداخلية فيها، لكنه إشارة إلى أن المنطقة شبه مستقرة - أي في حالة صلبة إلى أن تتعرض لصدمة مفاجئة تطلق تفاعلا متسلسلا مدمرة.

إن القوى المتنامية للعديد من البلدان الآسيوية تهدد استقرار المنطقة. فالمنطقة تفتقر إلى بنية تعاونية ضابطة للأمن الإقليمي. وهناك شکاوي قوية تتبادلها الدول المتجاورة في جو من الأمراض القومية الحادة التي يزيد من شرورها مواطن الضعف الاستراتيجية في تلك الدول. وتعمل القوي الآسيوية اليوم في سياق إقليمي مانع وغير منظم إلى حد بعيد، سياق ينقصه نوع من اطر العمل المتعدد الأطراف للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني على غرار ما مي حاصل في اوروبا أو حتى في أميركا اللاتينية، وبالتالي فإن آسيا تمثل نجاحة اقتصادية متعاظمة وبركانة اجتماعية وخطرة سياسية في آن معا.

وفي هذه المنطقة، تتنافس الصين الناهضة مع اليابان المتحالفة مع أميركا، على السيادة الإقليمية، وكوريا مقسمة بشكل غير طبيعي ويمكن أن تنفجر في أية لحظة، وبشكل مستقبل تايوان مصدرة للنزاع، وإندونيسيا معرضة للخطر من الداخل، والهند تشعر بانها مهددة من قبل الصين في حين ترى نفسها ندا لها، والصين والهند (وكذلك باكستان، جارة الهند المعادية) قوتان نوويتان علنيتان. وتسعى كوريا الشمالية بنحو لكي نصبح قوة نووية، في حين أن اليابان على اهبة الاستعداد لكي تكون كذلك أيضا على عجل. والصين بوصفها قوة متعاظمة، تذكر بالمانيا الإمبريالية، التي كانت تحسد بريطانيا العظمى، وتعادي فرنسا، وتحتقر روسيا. كما أن الصين اليوم، برغم موقفها البراغماتي المتزايد بخصوص الدور الأميركي في منطقة المحيط الهاديه، تشعر بالم عصبي تجاه اليابان وبالتعالي على الهند وعدم الاكتراث لروسيا.

سيتائر الأمن العالمي حتما بكيفية تطور المشهد الداخلي في الشرق الأقصى، وذلك بدوره يتوقف إلى حد كبير على سلوك الدولتين الرئيسيتين في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت