الفصل الرابع
دروس من التجربة الانجليزية: الحالة الأمريكية
مرت الولايات المتحدة بحرب داخلية كبيرة وحيدة هي الحرب الأهلية التي جرت بين عامي 1861 - 1865. وقد كانت تلك الحرب اكثر الحروب التي خاضها العالم المتحضر حتى ذلك التاريخ دموية وعنفا وقوة تدمير. وظاهريا، كانت الولايات المتحدة شعبا منظما بصورة جيدة في ذلك الوقت، يصرف شؤونه استنادا إلى دستور منفرد تبناه الشعب منذ ثلاثة أرباع القرن. فالمؤسسات العسكرية، والتمثيلية، والحزبية الأمريكية، التي قلدت الى حد بعيد التجربة الأنجليزية في القرن الثامن عشر، اصبحت مستقرة وقادرة على الاستمرار كما كان مفترضا.
لكن تفحصة أكثر دقة يكشف أن هذه التقديرات ليست صحيحة تماما. اذ ان المؤسسة الوطنية العسكرية في الولايات المتحدة كانت، وللحقيقة، ضعيفة وغير مركزية في منتصف القرن. ولقد مرت الترتيبات الدستورية من اجل اقامة حكومة تمثيلية بحالة من التوتر الشديد، وتحداها المدافعون عن حقوق الولايات، كما واجهت تحديات التحالفات المحلية والمصالح المتنافسة بخصوص ملكية العبيد في غرب البلاد. كانت الأحزاب السياسية الوطنية عبارة عن تحالفات هشة بين الأجنحة البرلمانية والمحلية، ولم تكن قد استقرت بعد التحول إلى نظام الحزبين الاثنين.
بدأ التحول الحرج في مؤسسات الولايات المتحدة السياسية بعد أن وضعت الحرب الأهلية أوزارها بعض الوقت، ولربما يكون ذلك قد حصل خلال سبعينات القرن التاسع عشر. في ذلك الوقت بدأ الجيش الفدرالي يمارس سلطه جديدة على مليشيا الولايات، في الوقت الذي عادت فيه الحكومة التمثيلية إلى وضعها الطبيعي السابق بانسحاب القوات الفدرالية المحتلة من الجنوب، وتجديد المشاركة الجنوبية في الكونغرس وفي المجمع الانتخابي، كما أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري اصبحا المؤسستين المساعدتين الأساسيتين للحكومة في السياسة الوطنية، وأصبحا قادرين في الوقت نفسه على احباط