وما أحسن ما كتبه الأستاذ محمد قطب في كتابه القيم (واقعنا المعاصر) حول أهمية التربية والرد على من يستطول طريقها ويريد قطف الثمرة قبل استكمالها، فقال ص 684:"أما الذين يسألون إلى متى نظل نربي دون أن (نعمل) [1] ؟ فلا نستطيع أن نعطيهم موعدًا؛ فنقول لهم: عشر سنوات من الآن أو عشرين سنة من الآن!، فهذا رجم بالغيب لا يعتمد على دليل واضح، وإنما نستطيع أن نقول لهم: نظل نربي حتى تتكون القاعدة المطلوبة بالحجم المعقول ..."ثم يستمر وفقه الله حول هذا الموضوع إلى أن قال:"... ونكتفي بثلاثة أبعاد، ننتقيها من بين أبعاد كثيرة ومجالات عديدة؛ لأنها ذات أهمية خاصة؛ وذلك بالنسبة لبناء القاعدة المطلوبة."
يقول سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذريات:58] ، ولو أنك سألت أي إنسان في الطريق من الذي يرزقك لقال لك على البديهة: الله، ولكن انظر إلى هذا الإنسان إذا ضيق عليه في الرزق، يقول: فلان يريد قطع رزقي! فما دلالة هذه الكلمة؟
دلالتها أن تلك البديهة ذهنية فحسب، وبديهة تستقر في وقت السلم والأمن، ولكنها تهتز إذا تعرضت للشدة؛ لأنها ليست عميقة الجذور ... فلا يصلح لتلك الأعباء إلا شخص قد استقر في قلبه إلى درجة اليقين أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وأن الله هو المحيي المميت، وأن الله هو الضار النافع، وأن الله هو المعطي والمانع، وأن الله هو المدبر، وأن الله هو الذي بيده كل شيء ...
(1) الكلام هنا موجه لأولئك الشباب المتحمس الذي ينقضه التربية والعلم الشرعي والإمكانات ومع ذلك يطالب بإعلان الجهاد ضد الأنظمة التي تنكرت لشرع الله واستحلت ما حرم الله.