وصحة اليقين والفهم يتمان بأمرين اثنين: بالعلم بدين الله عز وجل وأحكامه وشرعه، وبالعلم بالواقع وأبعاده؛ فمن فرط في أي من هذين العلمين والفهمين فسد فهمه، وعرض نفسه للشبهات، وأخذ الباطل يحسبه حقًا.
أما من تحلى بالفهم بأحكام الله والفهم بالواقع، ثم وقَّع الأول على الثاني؛ فقد تمت له البصيرة، ووصل إلىها الحق، ولكن معرفة الحق لا تكفي في النجاة من الفتن حتى ينضم إلىها التقوى والصبر وحسن القصد، فينقاد إلى الحق الذي ظهر ويذعن له، وإلا لو كان الصبر ضعيفًا أو القصد فاسدًا؛ فإن المسلم يتعرض للفتن من باب الشهوات، فلا يصبر على الحق، ويثبت عليه أمام المغريات والشهوات.
ولقد ساق الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى هذه المعاني بأوضح عبارة وأدقها وأبلغها؛ حيث قال رحمه الله تعالى في كتابه القيم (إعلام الموقعين) ، في معرض شرحه لخطاب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه في القضاء؛ فقال في شرحه لقول عمر:"فافهم إذا أدلي إليك":
"صحة الفهم، وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهو مهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت فهومهم"