الصفحة 13 من 36

إذًا؛ هذا أول مظهر من المظاهر التربوية في الجهاد في سبيل الله؛ أنه دليل على المحبة الكاملة لله سبحانه وتعالى.

وكذلك ذكر الإمام ابن تيمية -رحمه الله- آية أخرى في قضية المحبة قال: عندما ذكر الله سبحانه وتعالى وصف المحبّين والمحبوبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرتَدَّ مِنكُم عَن دِينِهِ فَسَوفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُّونَهُ} ، ما هي صفاتهم يا رب؟ {أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَومَةَ لَائِمٍ} [المائدة: (54) ] .

الله أكبر؛ هذه كلها من صفات المحبين، لأن بعض الناس للأسف الشديد، بعض الدعاة يجد إذا جاء عند محبة الله سبحانه وتعالى فقط يذكر قول الله جل وعلا: {قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: (31) ] ، فيقول: إن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي دليل على محبة الله سبحانه وتعالى، ولا يذكر الآيات الأخرى التي فيها التضحية؛ أن الإنسان يضحي بزوجته وبأولاده وبوطنه وبوظيفته وبكل شيء، مقابل نصرة دين الله سبحانه وتعالى وإعزاز هذا الدين.

-ثانيًا: ومن الجوانب التربوية في حياة الجهاد؛ أن الجهاد -سبحان الله- يربّي في الإنسان الزهدَ في الدنيا.

ولهذا -سبحان الله- ما تجد مسلمًا يخرج إلى الجهاد في سبيل الله إلا وتجد أن الدنيا لا قيمة لها، الدنيا لا وزن لها في قلبه وفي حياته، والدليل على ذلك أنه ضحى بكل شيء؛ هذا دليل فعلي أنه ضحى بكل شيء، فهذا دليل على زهده.

ما تجد المجاهد في سبيل الله يتنافس على المناصب والأموال والشهوات والملذات، هو يستشعر حديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (عش في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) ، الله أكبر.

ففعلًا؛ الجهاد في سبيل الله يربّي في الإنسان الزهدَ في الدنيا، تركَ الدنيا، الطمعَ فيما عند الله، الرغبةَ في الفردوس الأعلى والشهادة، الشوقَ إلى لقاء الله جل وعلا.

بعكس الذي قعد عن الجهاد؛ الذي قعد عن الجهاد لو خُصِم من راتبه مبلغًا يسيرًا لأقام الدنيا ولم يقعدها، لو نقصت في حياته لَذّة من لذّات الدنيا أو شهوة من شهواته تجده يتذمر ويتسخط، بعكس المجاهد في سبيل الله.

هذا كله من تربية الجهاد، الجهاد يربي المسلم على الزهد، وعلى الترفع عن مطامع الدنيا ورغباتها وشهواتها وملذّاتها؛ ولهذا أقولها بكل صراحة:

إن أزهد الناس في هذه الدنيا هم المجاهدون في سبيل الله سبحانه وتعالى؛ تجد هذا المجاهد ليس عنده بيتَ مُلك، ليس عنده سيارة ملك، تجد ليس عنده استقرار، يتوقع الموت في أي لحظة.

أما القاعدون عن الجهاد فهو يرغب في الدنيا، ويحرص على الحياة، يريد أن يطيل عمره في هذه الدنيا، يتشبث لا يريد أن يخرج من الدينا، بعكس المجاهد في سبيل الله؛ يتمنى الشهادة اليوم قبل غد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت