سر القدر في القرآن الكريم (2)
[4 مايو 2018 - 19 شعبان 1439]
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) .
هذا أول خبر الإنسان، وفيه حكمة خلقه وإيجاده، وفيه بيان عجز الخلق من الملائكة في إدراك سر هذا الخلق، وقد تكرر هذا الخبر في سور كثيرة، منها ما ذكر في سورة الأعراف، والحجر، والإسراء، والكهف، وطه، وص، وفي كل موطن علم جديد، وتأسيس لخبر آخر، لكن هاهنا ذكر تفصيلي لما نحن بصدده، وهو خفاء السر الإلهي في باب القدر على أقرب الخلق إلى ربنا، وهم الملائكة.
وأقرب ما يقال هاهنا مما نحن فيه، أن الملائكة لم يكن في علمهم الذي علمهم الله إياه من أسمائه وصفاته إلا أنه يحب المدح والحمد والتنزيه، ولذلك قالوا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) ، وهم قائمون بما يحب الله ويفرحه ويرضيه، فلم الخلق الآخر، وهم من يغلب عليهم اقتراف ما يغضبه ويكرهه!.
الإنسان بالنسبة للملائكة قدر آخر، لم يفهموا حكمة وجوده، ولا تعلق هذا القدر بأسمائه وصفاته، ولذلك تساءلوا تعلمًا، وليس اعتراضًا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا ... ) .
ومن المعلوم أن الملائكة يشهدون الكثير من التقدير، بسماعهم كلمات الله القدرية من الله، ويشهدون تنزلات هذه الأقدار، وبما جرى من خلق سابق، فقد علموا أن هذا الخلق الجديد (يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) ، والله لا يحب هذا ولا يرضاه.