سر القدر في القرآن الكريم (8)
[24 يونيو 2018 - 11 شوال 1439]
الانعطافات في النهايات
هذا سر عجيب، وهو من نوع الامتحان الرباني لعبيده المؤمنين، وإغراء لأعدائه لأخذهم وإذهابهم، فتأمل معي هذه الحوادث القدرية في هذا الباب:
-لما جاء موسى عليه السلام لميقات ربه، ففي التفصيل لموعد اللقاء، فصل القرآن الكريم بين زمنين ووقتين، فقال سبحانه وتعالى كما في سورة الأعراف: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) ، وهذا تفصيل ما أجمله في سورة البقرة (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً) ، وهذا الموعد ذكره الله تعالى في سورة طه، وفيه خبر آخر، فقال سبحانه: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) .
ويفهم من هذه الآيات أن الله واعد موسى بعد ثلاثين ليلة، ففهم الكليم عليه السلام أن الموعد يقع عند تمام الثلاثين، والحق أن الموعد بعد الثلاثين، وبعد الثلاثين بلا تعيين، فجاء موسى عليه السلام عند تمام الثلاثين، وسبب هذا الشوق وطلب الرضى والقبول (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) .
وهذا من نوع الامتحان لعبيده، إذ في ذلك امتحان الصبر، ومزيد الطلب، وفيه كذلك لوعة الانتظار، وفي النهايات يكون التعب، ويزيد الشوق، ويمتحن الصبر، والناس في البدايات لهم نوازع الإرادة، وحماسها، فتقوى النفس، ثم يبدأ الرهق، ومعه يزداد شوق النتائج، حتى إذا قارب الوصول تكاد النفس تذهب، وحينها يأتي طلب المزيد، فيكون الامتحان أشد وأتعب، فيقع بذلك فتنة النفوس والقلوب والإرادات.