مع موسى الكليم وقع الامتثال، وزاد الشوق، وتجددت الإرادة، فوقع له اللقاء، وكلمه ربه، وحصل له العطاء، فقال الله له: (يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي) فهنيئًا له مقامات الرضا والقبول وحصول العطاء.
-هذه الانعطافة رأيناها في صلح الحديبية، فقد وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بوعد الله، أنهم سيدخلون المسجد الحرام، وفي ذلك قيد عظيم (لَّقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ) .
فقيد الدخول:"آمنين"،"لا تخافون".
وهذا المعنى المكرر لا يكون مع قدومهم في هذا العام، وقريش تتلظى بالغيظ والكره وترقب القتال والصدام، مع أن الحرب قد أهلكتها، لكنها النفوس.
فكان الوعد، أنكم ستدخلون المسجد الحرام، فطارت النفوس شوقًا، وتشوفت لهذا الوعد العظيم، فسارت وهي على يقين الوعد، وصدق وقوعه كما فهمته، والنفوس تحب تأويل الأحاديث كما تشتهيها، كما هو شأن صاحب الرؤيا، يبحث عمن يفسره لها على وجه يحبه، ويرضاه، ويسعده.
فخرجوا على هذا المعنى الذي في نفوسهم، فكان ما كان، فغضبوا، وحديثهم في هذا الأمر مشهور معلوم.
فكان في هذا بلاء الإيمان في قلوبهم، وليقع الوعد القدري على معانٍ أخرى أجل من فرحهم وسعادتهم، لا ليقع فقط فرحة دخول المسجد للعمرة، ولكن لفتح مكة فتكون دار إسلام، ولمعانٍ أخرى ذكرها الله في كتابه (وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) فرحمة الله بالمؤمنين أن يوقع أعمالهم على وجه من الخير لهم، حتى وهم لا يدركون الكثير من هذا الخير، ذلك لخفائه (بِغَيْرِ عِلْمٍ) كما قال تعالى.