الصفحة 229 من 306

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [1] .

وفي هذا المفهوم لا يمكن أن تنفصل الشعائر التعبدية عن العمل، ولا الدنيا عن الآخرة. لذلك كانت الحياة في حسهم حلقة متصلة لا انفصام فيها بين جزء وجزء. الصلاة فيها والنسك، والطعام والشراب والجنس، والقتال في سبيل الله، والسعي وراء الرزق، وطلب العلم، وعمارة الأرض .. كلها عبادة، وكلها للدنيا والآخرة في آن. وكل لحظة واعية تمر بالإنسان في نهاره أو ليله، وكل عمل يقوم به - متوجها فيه إلى الله، وملتزما فيه بما أنزل الله - فهو لون من ألوان العبادة، متصل بعضها ببعض، وهو على الدوام يتنقل من عبادة إلى عبادة، تحقيقا لغاية الوجود الإنساني، التي تشمل وجوده كله، وتوجهه إلى الله.

وإذا كانت الشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصيام وحج ذات صبغة روحية غالبة، فليس معنى ذلك أنها هي وحدها العبادة، ولا أنها للآخرة منقطعة عن الدنيا، فلكل منها مقتضىً لا بد أن تحققه في الحياة الدنيا. الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، والزكاة تطهر النفس والمال، والصيام يدرب على التقوى، والحج يدعو إلى البر .. وهكذا تصبح كلها للدنيا والآخرة في آن.

وإذا كانت الأعمال الأخرى التي يقوم بها الإنسان في حياته ذات صبغة عقلية أو حسية غالبة، فليس معنى ذلك أنها خارجة من نطاق العبادة بمعناها الواسع الشامل، ما دام يتوجه فيها إلى الله، ويلتزم فيها بأوامر الله. ومن ثم فهي ليست للدنيا وحدها منقطعة عن الآخرة.

ومن مجموع حياة الإنسان، ومن مجموع نشاطه على الأرض، تتكامل العبادة التي يحقق بها غاية وجوده، وتتصل في حسه الدنيا والآخرة بلا افتراق [2] .

(1) سورة الذاريات [56] .

(2) راجع فصل"مفهوم العبادة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت