لم يكن في حس الأجيال الأولى من المسلمين ذلك الفاصل الحاد بين الدنيا والآخرة الذي أحسته الأجيال المتأخرة.
لم يكن في حسهم أن هناك أعمالا معينة هي للدنيا وحدها منقطعة عن الآخرة، وأعمالا أخرى هي للآخرة وحدها منقطعة عن الدنيا.
صحيح أن هناك أعمالا - بطبيعتها - يغلب عليها الطابع الروحي، كالصلاة والدعاء والذكر، والشعائر التعبدية عامة، وأعمالا أخرى يغلب عليها الطابع الفكري، كطلب العلم والتبحر فيه، وتدبير شئون الحياة من سياسة واقتصاد وحرب وسلم .. الخ، وأعمالا يغلب عليها الطابع الحسي، كالطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس .. الخ .. ولكن ذلك لا يفصل بين بعضها وبعض من جهة، لأنها صادرة عن الكيان الإنساني الموحد المترابط، ومن جهة أخرى لا يجعل بعضها للآخرة خالصة من دون الدنيا، وبعضها للدنيا خالصة من دون الآخرة.
كان المفهوم الصحيح للعبادة هو الذي يحكم حياتهم، ويحكم تصورهم:
(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ .. ) [1]
(1) سورة الأنعام [162 - 163] .