الصفحة 271 من 306

حين وقعت الأمة في هذه المجموعة من الانحرافات: تفريغ لا إله إلا الله من مقتضاها الحقيقي، وتحولها إلى كلمة تقال باللسان، بغير دلالة ولا رصيد واقعي. وحصر مفهوم العبادة في شعائر التعبد. وتحوّل عقيدة القضاء والقدر إلى سلبية وقعود عن الأخذ بالأسباب، وتخل عن دور الإنسان الإيجابي في الأرض. ووضع الدنيا والآخرة موضع التقابل والتخيير، ثم اختيار الآخرة وإهمال الدنيا ..

حين وقعت كل هذه الانحرافات في حياة الأمة لم يكن غريبا إذن أن يختل مفهومها عن الحضارة وأن تهمل عمارة الأرض.

لقد كان فهم الأجيال الأولى من المسلمين للحضارة مستمدًا من روح الإسلام، ومتفردا ككل شيء في هذا الدين.

فإذا كانت جاهليات معاصرة لمولد الإسلام وسابقة له ولاحقة قد ركزت على المعنى الروحي للحضارة، وأهملت الحياة الدنيا، وأهملت العمارة المادية للأرض، بوصفها أمورا ألصق بالحس، وأقرب إلى متاع الجسد، والجسد ملعون ومحتقر ومستقذر ..

وإذا كانت جاهليات أخرى معاصرة لمولد الإسلام وسابقة له ولاحقة قد ركزت على الجانب المادي للحضارة، وأهملت الآخرة، وأهملت عالم الروح، بوصفهما أمورًا شخصية لا علاقة لها بالواقع العملي، بل بوصفهما - في كثير من الأحيان - معوقات لانطلاق الحضارة (!) وأكبّت على عالم الحس وعالم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت