من أخطر الانحرافات التي وقعت فيها الأجيال المتأخرة من المسلمين - بعد انحرافهم في فهم لا إله إلا الله - انحرافهم في تصور مفهوم العبادة.
وحين يعقد الإنسان مقارنة بين المفهوم الشامل الواسع العميق الذي كانت الأجيال الأولى من المسلمين تفهمه من أمر العبادة، والمفهوم الهزيل الضئيل الذي تفهمه الأجيال المعاصرة، لا يستغرب كيف هوت هذه الأمة من عليائها لتصبح في هذا الحضيض الذي تعيشه اليوم، وكيف هبطت من مقام القيادة والريادة للبشرية كلها، لتصبح ذلك الغثاء الذي تتداعى عليه الأمم تنهشه من كل جانب، كما تنهش الفريسةَ الذئابُ. ويعلم الإنسان في الوقت ذاته الطريق الذي ينبغي أن تسلكه الصحوة الإسلامية وهي تجاهد لرفع هذا الغثاء من حضيضه الذي يعيش فيه، ليعود كما أراده الله أن يكون: (خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) [1] .
كان المفهوم الصحيح للعبادة في حسن الأجيال الأولى أن عبادة الله هي غاية الوجود الإنساني كله، كما فهموا من قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [2] .
إن هذه الآية الكريمة كانت تمثل في حسهم معنى هائلا جدا، وعميقا جدا، وشاملا لكل حياة الإنسان. فالقرآن نازل بلغتهم، وهم يفهمون إيحاءات تلك اللغة، ويدركون أسرار بلاغتها. فيدركون من معنى الآية أن غاية الوجود الإنساني كله محصورة في العبادة لا تتعداها إلى شيء غيرها على الإطلاق. فالنفي
(1) سورة آل عمران [110] .
(2) سورة الذاريات [56] .