الصفحة 140 من 306

والاستثناء هما أقوى صور الحصر والقصر في اللسان العربي. ومعناهما النفي البات من جهة والحصر الكامل من الجهة الأخرى: نفي أي غاية للوجود البشري غير عبادة الله، وحصر غاية هذا الوجود كله في عبادة الله! [1]

وكانوا إلى جانب ذلك يحسون إحساسا صادقا بعظمة الله - جل جلاله - فيحسون تبعا لذلك بما ينبغي للعبد - في مقام عبوديته - تجاه الله - في مقام ألوهيته - من إخلاص العبودية له، وإخلاص العبادة .. سواء.

ومن ثم لم ينحصر مفهوم العبادة في حسهم في نطاق الشعائر التعبدية وحدها، كما انحصر في حس الأجيال المتأخرة التي جاءت بفهم للإسلام غريب عن الإسلام.

إن شعائر التعبد لا يمكن بداهة أن تكون هي كل"العبادة"المطلوبة من الإنسان. فما دامت غاية الوجود الإنساني كما تنص الآية الكريمة محصورة في عباة الله، فأنّى يستطيع الإنسان أن يوفي العبادة المطلوبة بالشعائر التعبدية فحسب؟!

كم تستغرق الشعائر من اليوم والليلة؟ وكم تستغرق من عمر الإنسان؟

وبقية العمر؟ وبقية الطاقة؟ وبقية الوقت؟ أين تنفق وأين تذهب؟ تنفق في العبادة أم في غير العبادة؟ وإن كانت في غير العبادة فكيف تتحقق غاية الوجود

(1) يثير بعض الناس جدلا ذهنيا لا طائل وراءه، مفاده أن الإنسان خلق للابتلاء لا للعبادة، استنادا إلى قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) [سورة الانسان: 2] وقوله تعالى: (خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [سورة الملك: 2] وقوله تعالى: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [سورة الكهف: 7] والقرآن لا يناقض بعضه بعضا إنما يفسر بعضه بعضا ويفصله. فلا تناقض بين هذه الآيات جميعا، إذ أن الابتلاء الذي يتعرض له الإنسان في حياته الدنيا هو جعل ما على الأرض زينة لها ثم اختبار الإنسان في موقفه من هذه الزينة: هل يلتزم فيها بعبادة الله، أي يقف في استمتاعه بها عند ما أحل الله، أم يعبد الشيطان فيتجاوز حدود الله؟ ومن ثم تصبح عبادة الله هي المطلب، وهي غاية الوجود الإنساني ولا شيء سواها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت