الإنساني التي حصرتها الآية حصرا كاملا في عبادة الله؟ وكيف يجوز للإنسان - من عند نفسه - أن يجعل لوجوده - أو لجزء من وجوده - غاية لم يأذن بها الله؟
إن الإنسان لا يستطيع - مهما حاول - أن يقضي واجب العبادة المفروض عليه نحو الله من خلال الشعائر التعبدية وحدها، من صلاة وصيام وزكاة وحج ..
ليس الإنسان مَلَكًا .. ولن يكون.
والملائكة - وحدهم فيما نعلم - هم ذلك الخلق النوراني الشفيف الذي يسبح الليل والنهار لا يفتر: (وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ) [1] وهم - وحدهم - الذين لا يعصون الله في أمر من الأمور: (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [2] .
أما الإنسان، ذلك الكائن المخلوق من قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، المشتمل - إلى جانب روحه الشفيفة - على جسد يكدح وينزع، ويأكل ويشرب، ويتعب وينام، وعقل يفكر في تدبير مطالب الحياة الحسية والمعنوية، ويسرح بخواطره في شتى المجالات، فإنه لا يستطيع أن يعبد الله على طريقة الملائكة التي تسبح الليل والنهار لا تفتر، ولا تنشغل عن التسبيح ..
ولو شاء الله أن يكلف الإنسان العبادة على طريقة الملائكة لمنحه طاقة الملائكة في التسبيح الدائم بغير فتور، ولركبه منذ البدء تركيبا آخر، لا يفتر ولا يكل ولا يمل، لأن الله من رحمته لا يكلف نفسا إلا وسعها، ويجعل العبادة
(1) سورة الأنبياء [19 - 20] .
(2) سورة التحريم [6] .