أمن أجل الكلمة؟ أم من أجل مدلولها ومقتضاها؟ وماذا كان مدلولها في حسهم بالضبط؟ وما الفارق - حسب مدلول الكلمة - بين صورة حياتهم التي كانوا عليها وبين الصورة التي يُدْعَوْن إليها، أو يتوقعون أن تكون عليها حين يدخلون في لا إله إلا الله؟
أما الكلمة في ذاتها - بغير مقتضى ولا مدلول - فلا يتصور من قريش خاصة أن تقف من أجلها موقف العناد الشديد كله الذي وقفته، وتخوض من أجلها ذلك الصراع كله الذي خاضته، حتى يفلت الأمر من أيديها، ويقتل من صناديدها من يقتل .. كما لا يتصور من بقية العرب كذلك أن يخوضوا صراعا هائلا من أجل كلمة، لو كانت تلك الكلمة لا تغير من حياتهم شيئا، ولا تقدم ولا تؤخر.
فأما قريش، فإن القبيلة التي كان يولد فيها شاعر كانت تتيه فخرا على بقية القبائل، فكيف بالتي يخرج منها نبي؟! وقد كان لقريش خاصة زعامة"دينية"تعطيها في الوقت ذاته مركزا سياسيا واقتصاديا متميزا، ومولد نبي فيها يزيد الزعامة الدينية بروزا، ومن ثم يؤكد المركز السياسي والاقتصادي ويزيده وثاقة.
فلماذا رفضت قريش أن تنطق الكلمة .. لو أنها مجرد كلمة تقال؟!
ولقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمه أبي طالب وهو يناشده أن يسلم: قلها يا عم! كلمة أشفع لك بها عند الله! فهل كان يتصور من أبي طالب أن يرفض الكلمة لو أنها مجرد الكلمة، أي لو لم يكن لها مقتضى، ولا يترتب على قولها تغيير؟ أم إنه رفضها من أجل ما يترتب على التلفظ بها من تغيير كامل في منهج الحياة كله، وفي كل جزئية من جزئياته؟
تلك بديهية لا نحسبها موضع جدال.