فهرس الكتاب
إن تحقيق الجانب الروحي للإنسان وحده، على حساب الجانب الحسي والمادي، وفي عزلة عنه، لا يحقق غاية الوجود الإنساني كاملة كما بينها المنهج الرباني. وإن تحقيق الجانب الحسي والمادي من الإنسان والحياة البشرية على حساب الجانب الروحي وفي عزلة عنه، لا يحقق كذلك غاية الوجود الإنساني، بل يتجه به إلى الدمار والبوار .. ومن ثم فكلاهما لا يشكل حضارة بالمفهوم الصحيح للحضارة. أو إنه يشكل"حضارة جاهلية"إن صح هذا التعبير.
كما أن اجتماع الجانبين معا ولكن على غير قاعدة صحيحة - كما حدث في الجاهلية الفرعونية التي شملت عالم المادة وعالم الروح، ولكن على قاعدة تأليه الفرعون والعبودية له من دون الله - لا يشكل كذلك حضارة بالمفهوم الصحيح. أو إنه - كما أسلفنا - يشكل حضارة جاهلية إذا قبلنا هذا الاصطلاح.
إنما الحضارة الصحيحة هي التحقيق السوي لغاية الوجود الإنساني في الأرض، التي حددها قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [1] وفسرها قوله تعالى (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ) [2] . وهي في المفهوم الإسلامي شيء شامل لكل النشاط الهادف للإنسان.
إن الصلاة والنسك جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة، بمدلولهما الحقيقي، ومقتضاهما الحقيقي [3] .
وإن إقامة شريعة الله في الأرض، والحكم بما أنزل الله، وهو المقتضى المباشر للا إله إلا الله، جزء من المفهوم الإسلامي للحضارة.
(1) سورة الذاريات [56] .
(2) سورة الأنعام [162 - 163] .
(3) راجع فصل"مفهوم العبادة".