الصفحة 106 من 269

حتى قال عنه الحافظ ابن رجب في: (الذيل على طبقات الحنابلة) [1] : (وكان ابن القيم في مدة حبسه مشتغلًا بتلاوة القرآن بالتدبر والتفكر، ففُتح عليه من ذلك خيرٌ كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف والدخول في غوامضهم، وتصانيفه ممتلئة بذلك) .

وهو القائل في (فوائده) [2] : (يا مخنث العزم [3] أين أنت؟، والطريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمي في النار الخليل، وأُضجع للذبح إِسماعيلُ، وبيع يوسفُ بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكرياء، وذبح السيد الحصورُ يحيي، وقاسى الضُّرَّ أيوب [4] ، وزاد على المقدار بكاءُ داودَ، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقرَ وأنواعَ الأذى محمد-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-تُزهى أنت باللهو [5] واللعب؟) .

ثم ذكر في: (الفوائد) أيضًا قوله:(سأل رجل الشافعي فقال: يا أبا عبد الله؛ أيما أفضل للرجل أن يمكن أو: يبتلى؟.

فقال الشافعي: لا يمكن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمدًا فلما صبروا مكنهم).

وصدق من قال:

ربما تجزع النفوس من الأمر * له فرجة كحل العقال [6]

نماذج سريعة من ابتلاء الأنبياء والعلماء:

1 -ابتلاء نوح-عليه السلام-واتهامه بالسفه والضلال، والجنون، وكثرة الجدال والافتراء على الله، وقابلوه بالسخرية والتهكم والاستهزاء، وتهديده بالرجم، بل: تجاوزه إلى الضرب المبرح والخنق.

(1) -انظر: (الذيل على طبقات الحنابلة) (2\ 448) .

(2) -انظر: (الفوائد) (ص:449) .

(3) -العزم: قصد الفعل. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:71) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.

(4) -انظر ما قيل عن صبر أيوب-عليه السلام-في: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (12\ 601) .

(5) -اللهو: الأصل فيه: ما يشغل عن الخير. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:75) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.

(6) -انظر: (نشر العبير في منظومة قواعد التفسير) (ص:89/ 90) . ظنوا أنهم سجنوا الحدوشي ظلمًا وعدوانًا ليقتلوا مبادئَه، فكان سجنه إحياءً لمبادئِه وأفكاره، وأذكر أن كلبًا-مع احتراماتنا للكلاب فهي أشرف من هؤلاء-من كلاب المخابرات قال لي: ينبغي أن تجدد البيعة لمولاه، فضحكت وقلت له: متى بايعته حتى أجددها، فعلمت أن الرجل يتكلم من جيبه وكيسه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت