النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-والتابعين الإسفار بصلاة الفجر، وبه يقول سفيان الثوري، وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: معنى الإسفار: أن يَضِحَ [1] الفجر فلا يشك فيه [2] ،
(1) -قال شيخنا زهير الشاويش في هامش: (صحيح سنن الترمذي) (1/ 52/رقم:153 - و 131) (أبواب الصلاة، 116 - باب: ما جاء في التغليس بالفجر) : (وضَحَ الفجرُ يَضَح: إذا أضاء. قال أستاذي العلامة أحمد شاكر-رحمه الله تعالى-في نسخة ب"يضيء"وهو خطأ مخالف لسائر الأصول ... ووجدتها في المخطوطة عندي:"يضح") .
(2) -قال الحافظ الزيلعي في: (نصب الراية) للزيلعي (1/ 238) : ( ... وتأول الخصوم الإسفار في هذا الأحاديث بظهور الفجر، وهذا باطل، فإن الغلس الذي يقولون به، هو اختلاط ظلام الليل بنور النهار، كما ذكره أهل اللغة، وقبل ظهور الفجر لا يصح صلاة الفجر، فثبت أن المراد بالإسفار إنما هو التنوير، وهو التأخير عن الغلس، وزوال الظلمة، وأيضًا فقوله:"أعظم للأجر"، يقتضي حصول الأجر في الصلاة بالغلس، فلو كان الإسفار هو وضوح الفجر وظهوره لم يكن في وقت الغلس أجر لخروجه عن الوقت، قال في:"الإمام": وفسر الإمام أحمد الإسفار في الحديث ببيان الفجر وطلوعه، أي: لا تصلوا إلا على تبيُّنِ من طلوعه، قال: وهذا يرده بعض ألفاظ الحديث أو: يبعده.
وروى النسائي في: (السنن الكبرى) ، (2/ 207/رقم:1538/ 646 - باب: أول وقت الصبح-التحفة:592) قال: أخبرنا علي بن حُجر، قال: حدثنا حُميد، عن أنس أن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فسأله عن وقت الغداة فلما أصبح أمر حين انشق الفجر أن تقام الصلاة فصلى، فلما كان من الغد أسفر، فأمر، فأقيمت الصلاة، فصلى، ثم قال:"أين السائل؟ ما بين هذين وقت"، ورواه وأيضًا في: (السنن الكبرى) (2/ 238/رقم:1618 - 688: وقت أذان الصبح، من حديث أنس بن مالك) (إسناده صحيح: أخرجه أحمد في:(مسنده) (3/ 330/رقم:12119) من طريق يحيى بن آدم، والنسائي في: (السنن الصغرى) (1/ 263/رقم:526) ، أو: (3/ 189) ، من طريق سويد بن نصر، والترمذي في: (جامعه) (1/ 281/رقم:150) من طريق أحمد بن محمد بن موسى، والدارقطني (1/ 256) من طريق الحسن بن عيسى النيسابوري، وابن حبان في: (صحيحه) (4/ 335/رقم:1472) من طريق حبان بن موسى، والحاكم في: (مستدركه) (1/ 195/196) من طريق عبدان بن عثمان، كلهم عن ابن المبارك، عن الحسين بن علي بن الحسين-الملقب بالأصغر: حدثني وهب بن كيسان ثنا جابر بن عبد الله)، وأبو يعلى (رقم:3679/ 3680) ، وقد توسع في تخريجه: (نصب الراية) (1/ 222) ، و (تهذيب الكمال) (6/ 396) ، وهامش: (اليواقيت في المواقيت) (ص:13/ 14) للصنعاني.
وللحديث علة غير قادحة أشار إليها ابن القطان بقوله: (هذا الحديث يجب أن يكون مرسلًا، لأن جابرًا لم يذكر مَن حدَّثه بذلك، وجابر لم يشاهد ذلك صبيحة الإسراء لما علم أنه أنصاري إنما صحب بالمدينة ... ) .
وقال الحافظ الزيلعي في: (نصب الراية) (1/ 222) : (قال في:"الإمام": وهذا المرسل غير ضار، فمن أبعد البعد أن يكون جابر سمعه من تابعي عن صحابي، وقد اشتُهر أن مراسيل الصحابة مقبولة وجهالة عينهم غير ضارة) .
قال البخاري: (هو أصح شيء في الوقت) ، ونقله عنه تلميذه الترمذي في: (جامعه) (1/ 282) بلفظ: (أصح شيء في المواقت حديث جابر عن النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه) .
وقال عبد الحق الأشبيلي المالكي: (يعني: في إمامة جبريل) .
فعلم بهذا أن المراد بالإسفار التنوير، وقد ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث ما يدفع تأويلهم: منها عند ابن حبان في:"صحيحه":"فكلما أصبحتم بالصبح فهو أعظم للأجر"، وعند النسائي بسند صحيح، قال:"ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم للأجر"، وعند الطبراني:"فكلما أسفرتم بالفجر".
حديث آخر يبطل تأويلهم، روى ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو داود الطيالسي في:"مسانيدهم"، والطبراني في:"معجمه"ثم ذكر سند الطيالسي إلى رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لبلال:"يا بلال نَوِّر بصلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم من الإسفار"... حديث آخر يبطل تأويلهم ... كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يصلي الصبح حين يفسح البصر ... فسح البصر، وانفسح: إذا رأى الشيء عن بعد"يعني به: إسفار الصبح"... ). انظر: (نصب الراية) (1/ 239) .