فهذه الأحاديث تدل على أن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-كان يصلي الصبح في أول وقتها [1] .
وقال ابن قدامة-رحمه الله تعالى-في: (المغني) (1/ 540) [2] : ( ... وَأَمَّا صَلاةُ الصُّبْحِ فَالتَّغْلِيسُ [3] بِهَا أَفْضَلُ [4] ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ [5] .
(1) -قال ابن المنذر في: (الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف) (3/ 75/76/رقم:1055) : (وحدثونا عن الحسن بن علي، قال: أنا ابن المبارك، قال: أنا الأوزاعي، عن نهيك بن يريم- (ترجم له البخاري في:(تاريخه) (8/ 122) ، وابن حبان في: (ثقاته) (7/ 545) وقالا: يروي عن مغيث) -عن مغيث بن سمي، أنه سمع ابن عمر يقول: لما قتل عمر أسفر بها عثمان، قال ابن مغيث: وكان ابن الزبير يسفر بصلاة الفجر) (أخرجه أبو نعيم في:(الحلية) (6/ 70) ، وابن عساكر في: (تاريخ دمشق) (62/ 327) عن الأوزاعي به).
وقال ابن المنذر في: (الأوسط من السنن والإجماع والاختلاف) (3/ 77/رقم:1060) : (حدثنا سليمان بن شعيب، قال: نا بشر بن بكر، قال: نا الأوزاعي، عن نهيك بن يريم، قال: نا مغيث بن سمي قال:"إن ابن الزبير غلس بصلاة الفجر فأنكرت ذلك عليه، فلما سلم التفت إلى ابن عمر فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: هذه صلاتنا مع رسول الله-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-وأبي بكر، وعمر، فلما قتل عمر أسفر بها عثمان"-أخرجه الطحاوي في:(شرح معاني الآثار) (1/ 176) عن سليمان بن شعيب وغيره به، وأخرجه ابن ماجه من طريق الأوزاعي، حدث عنه الوليد بن مسلم).
(2) -انظر: (الفتح) (4/ 430/431/رقم:578 - كتاب مواقيت الصلاة، 27 - باب: وقت الفجر) للحافظ ابن رجب.
(3) -قال المحدث أبو الأشبال أحمد شاكر، في هامش: (جامع الترمذي) (1/ 277) : (التغليس التبكير في الغلس-بالغين المعجمة واللام المفتوحتين-وهو ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح) .
(4) -قال الحافظ ابن رجب في: (فتح الباري) (4/ 446/رقم:578) : (وقد رُوي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: أنه أمر بذلك معاذ بن جبل-كما في:(أخلاق النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) (ص:76) لأبي الشيخ، ومن طريقه البغوي في: (شرح السنة) (2/ 198/199) -لما أرسله إلى اليمن، فأمره أن يُغَلِّسَ بالفجر في الشتاء لطول الليل واستيقاظ الناسِ في أول الوقت، وأن يؤخر في الصيف، لأن الناس ينامون لقصر الليل فيه.
وحملَ بعضُ أصحابنا أحاديثَ الأمر بالإسفار على حالة تأخير المأمومين، وقد روي عن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-أنه كان يعجل الصبح تارة، وعن جماعة من السلف ... فروى الإمام أحمد في: (المسند) (2/ 135/136) ، و (أطرافه) (3/ 605) : حدثنا أبو أحمد الزبيري: ثنا أبو شعبة الطحان-جار الأعمش-عن أبي الربيع، قال: قلت لابن عمر: إني أصلي معك الصبح، ثم ألتفتُ فلا أرى وجهَ جليسي، ثم أحيانًا تُسفِرُ. قال: كذاك رأيت رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يصلي، وأحببتُ أن أصليها كما رأيت رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-يصليها.
وهذا إسناد ضعيف؛ نقَل البرقاني، عن الدارقطني، قال أبو شعبة متروك-وفي: (سؤالات البرقاني) (590) بلفظ: (وأبو شعبة الطحان، جار الأعمش: لا يعرف اسمه، كوفي متروك) -وأبو الربيع مجهول-وفي: (سؤالات البرقاني) (602) بلفظ: (وأبو الربيع، عن ابن عمر، مجهول لا يحدث عنه إلا أبو شعبة الطحان) .
(5) -قال الترمذي في: (جامعه) (1/ 205/رقم:154/ 3 - باب: ما جاء في الإسفار بالفجر) :(وقد رأى غيرُ واحد من أهل العلم من أصحاب النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه ومسلم-والتابعين الإسفارَ بصلاة الفجر، وبه يقول سفيان الثوري، وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق.
معنى: الإسفار: أن يَضِحَ-مضارع وضح، يقال: وضح الفجر يضح: إذا أضاء-الفجرُ فلا يُشَك فيه، ولم يروا أن معنى الإسفار تأخير الصلاة).
وابن القيم-بعد أن ذكر حديث رافع بن خَديج: (أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر) ، ما لفظه-: (وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار دوامًا، لا ابتداءً، فيدخل فيها مغلسًا، ويخرج مسفرًا، كما كان يفعله-صلى الله عليه وآله وصحبه-فقوله موافق لفعله، لا مناقض له، وكيف يُظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه) .