وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي مُوسَى، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ) [1] .
(1) -قال الإمام الشوكاني في: (نيل الأوطار) (1/ 421) : (والحديث يدل على استحباب التغليس وأنه أفضل من الإسفار، ولولا ذلك لما لازمه النبي-صلى الله وآله وصحبه وسلم-حتى مات) ، وهنا الشوكاني-رحمه الله تعالى-خالف أصله الذي يقرره في: (إرشاده) : وهو أن القول مقدم على العمل، لأن القول شريعة عامة، أما العمل فشريعة خاصة!.
وقال الدكتور محمد نعيم في: (موسوعة مسائل الجمهور في الفقه الإسلامي) (1/ 131) تحت: (باب: في الأفضل في أداء صلاة الصبح هل هو التغليس أم الإسفار؟) : (مسألة(164) -جمهور العلماء على أن الأفضل في صلاة الصبح أن تصلَّى في أول وقتها، وهو ما يسمى بالتغليس (يعني: وقت الغلس) ، وهو مذهب عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن الزبير، وأنس بن مالك، وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة-رضي الله تعالى عنهم-وإليه ذهب الأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد.
وقالت طائفة: التأخير إلى وقت الإسفار أفضل، وإليه ذهب عبد الله بن مسعود-رضي الله تعالى عنه-والنخعي، والثوري، وأبو حنيفة-رحمهم الله تعالى). انظر في هذه المسألة في: (المدونة) (1/ 61) ، و (إتحاف ذي التشوق والحاجة إلى قراءة سنن ابن ماجة) (2/ 177/180 - باب: وقت صلاة الفجر) للعلامة محمد الحفيد بن عبد الصمد كنون.
قال الحافظ ابن حزم في: (المحلى) (3/ 246/رقم:336) -و (معجم فقه السلف) (1/ 234/رقم:164 - وقت صلاة الصبح يوم النحر) : (عن ابن مسعود في التغليس بصلاة الصبح، حين انشق الفجر يوم النحر، وقوله: إنها صلاة حوِّلت عن وقتها في ذلك اليوم، في ذلك المكان، والتغليس بالفجر هو مذهب أبي حنيفة في كل يوم، وفي كل مكان) .
وقد زعم بعض أهل العلم: أن الأحاديث التي ذكرت عدم معرفة الصحابي لمن هو بجانبه وعدم معرفة المرأة لمن بجانبها وكذا عدم تمييز النساء، وزدنا عليه القراءة وطولها وعلمنا أن القوم لم يعرفوا بعضهم بعد الانصراف من الصلاة فلا شك أن المغاربة يصلون في الوقت الشرعي!
وهذا الزعم لا يُسعف صاحبه، ولا يصح الاعتبار به لسبب"بسيط"، وهو أن يقال: (لا يصح اعتبار هذه الأدلة مفردة بل: يجب ضمها إلى ما نقله القوم أنفسهم عن وقت الفجر والفرق بينه وبين غيره، كما جاء في بعض الآثار، وهو توجيه ابن رجب الحنبلي، والحافظ ابن حجر، وابن القيم، وغيرهم، والواقع المشاهد أن المغاربة يصلون بليل وأحيانًا يصلون قبل الفجر الكاذب نفسه، فالجمع بين أقوال السلف واجب، وعدم رؤية المرأة لمن بجانبها وكذا الرجل، أو: عدم تمييز المرأة من أختها لا ينفك أن يكون من أثر الغلس، والغلس اختلاط النور بالظلام-كما سيأتي-، والتمييز فرع التبين والتبين فرع النظر والإبصار، والبصر يفتقر للنور ليقوم بمهامه بإذن الله تعالى، فإذا كان في النور دخن كان في التمييز دخن، وهذا مسلم عقليًا، فقد أجاب الحافظ النووي وغيره على حديث أمنا عائشة-رضي الله تعالى عنها-حين قالت:(كن نساء المؤمنات يشهدن مع النبي-صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم-صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس) (رواه الجماعة) ، وللبخاري (ولا يعرف بعضهن بعضًا) .
قولها: (متلفعات) أي: متجللات ومتلففات، والمروط: الأكسية المعلمة من خز أو: صوف أو: غير ذلك.
قولها: (لا يعرفهن أحد) ، قال الداودي: معناه: ما يعرفن أنساء هن أم رجال.
وقيل: لا يعرف أعيانهن، قال النووي: وهذا ضعيف لأن المتلفعة في النهار أيضًا لا يعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة وتعقب بأن المعرفة إنما تتعلق بالأعيان ولو كان المراد الأول لعبر عنه نفي العلم.
قال الحافظ: وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا يعرف عينها فيه نظر لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب ولو كان بدنها مغطى الخ-وسيأتي الكلام على هذا الحديث في وسط هذه الرسالة.