فاقتصاد المعرفة بحاجةٍ إلى الابداع والابتكار، وهما بحاجةٍ إلى المعرفة، فكما يقال:"المعرفة قوة"، فلا بد من معارف أوليةٍ تؤسس للإبداع والابتكار، ولا بد من الإبداع والابتكار لإنتاج معرفةٍ جديدةٍ، تخول اقتصادًا رصينًا، وتُجَهز منتجاتٍ تثري الساحة الاقتصادية، وتعالج المشاكل الراهنة وتستشرف المستقبل.
ولا شك أن هذا التلاحم بين الإبداع والابتكار، وبين اقتصاد المعرفة، سيجد ضالته في النصوص الشرعية؛ لأنها من جهةٍ هي منجمٌ للإبداع والابتكار كما ذكرنا آنفا، ومن جهةٍ أخرى هي مرجعٌ مهمٌ لاقتصاد المعرفة، إذ إن النصوص الشرعية تحث على طلب العلم وتطوير المعارف،"وإن الكلام عن العلم والاجتهاد هو نفسه الحديث عن الإبداع؛ لأنه لا يمكن أن نتصور إبداعًا بلا علمٍ يصنعه واجتهادٍ يدفعه، كما لا يمكن للإبداع والابتكار أن ينمو إلا في أجواء العلم والمعرفة والاجتهاد، لهذا السبب وحرصًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تتميز هذه الأمة في عطاءاتها الفكرية والعملية، فقد خص جزءًا مهمًا من توجيهاته للحث على طلب العلم، والعمل على بذل الوسع والاجتهاد، ولذلك لا يخلو كتابٌ من كتب الرواية من أحاديث و آثارٍ تعالج هذا الموضوع [1] ."
فالمقصود إذن هو أن النصوص الشرعية تسعف في الإبداع والابتكار لتنمية اقتصاد المعرفة، وهذا ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، فمن أخذ به اغتنى وارتوى ومن أعرض عنه جهل واكتوى، فعَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» [2] ، قال ابن عثيمين:"فهكذا الناس بالنسبة لما بعث الله به النبي صلى الله عليه وسلم من العلم والهدى، منهم من فقه في دين الله، فعلِم وعلَّم، وهذا كمثل الأرض التي أنبتت العشب والكلأ، والقسم الثاني: في قوم حملوا الهدى، ولكن لم يفقهوا في هذا الهدى شيئًا، فهؤلاء مثلهم مثل الأرض التي حفظت الماء، واستقى الناس منه، وشربوا منه، لكن الأرض نفسها لم تنبت شيئًا؛ والقسم الثالث: لم ينتفع بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، ولم ينفع غيره، فمثله كمثل الأرض التي بلعت الماء ولم تنبت شيئًا. وفي هذا الحديث دليل على أن من فقه في دين الله، وعلم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعلم فإنه خير الأقسام، لأنه علم وفقه لينتفع وينفع الناس" [3] .
(1) الابداع والابتكار في السنة النبوية، ليوسف عبد اللاوي، مرجع سابق.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب فضل من علم وعلم، 1/ 27. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب بيان مثل ما بعث به النبي صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم، 4/ 1787.
(3) رياض الصالحين، لابن عثيمين، 2/ 294، باختصار.