فالوحيان هما كنز المعرفة لأنهما نبراسٌ يضيء طريقها، وإذا لم تنضبط بهما وزاغت عنهما، كانت وبالًا على أصحابها، فكم من معرفةٍ في عصرنا ظن أصحابها أنهم بلغوا عنان السماء، ليُكتشف فيما بعد أنها وبالٌ على البشرية؛ لأنها لم تُضبط بالشريعة الربانية والأخلاق الإنسانية، فكانت النتيجة هي خسارة المعرفة بفوات الأرواح والعقول، وخسائر اقتصاديةً فادحةً بفوات الأموال والمنشآت. ولهذا قال عمر رضي الله عنه:"لاَ يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلاَّ مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ" [1] ؛ لأنه سيكون معرَّضًا لأكل الربا والغوص في الغرر والجهالة، فالفقه في الدين يخول المعرفة السليمة بفقه البيوع، ويحصن التاجر من مغبة الوقوع في المحظور والإضرار بالاقتصاد.
إن العلاقة بين التنمية وتوليد المعرفة أصبحت أكثر وضوحا يوما بعد يوم بعد مراجعةٍ دقيقةٍ للاقتصادات الدولية المتطورة، حيث إن أكثر من 50? من الناتج المحلي للدول المتقدمة مبنيٌّ على المعرفة، وأن الاستثمار في المعلومات والمعرفة يُعد أحد العوامل المحفزة للتنمية الاقتصادية من خلال زيادةِ الإنتاجية وزيادة فرص العمل، لذلك من الضروري بناء سياساتٍ لتطوير الموارد البشرية الموهوبة [2] .
إذا تقرر لدينا أن النصوص الشرعية وسائل مهمةٌ وآمنةٌ للإبداع والابتكار في الاقتصاد الإسلامي واقتصاد المعرفة، فإنه من الضروري التنويه على أن استثمارها يجب أن يكون وفق شروطٍ وضوابط، تحفظ للنص الشرعي هيبته، وتحقق في الوقت ذاته الغرض الإبداعي الابتكاري، مما يفتح شهية البحث عن استشرافاتٍ مستقبليةٍ تتطلع إلى المستقبل مُتكِئةً على تجارب وخلاصات الماضي والحاضر.
وهذا ما سأتطرق إليه عبر هذين الفرعين:
الفرع الأول: ضوابط استثمار النصوص الشرعية في الإبداع والابتكار لإدارة الاقتصاد الاسلامي والمعرفي.
الفرع الثاني: استشراف استثمار النصوص الشرعية في الإبداع والابتكار لإدارة الاقتصاد الاسلامي والمعرفي.
الفرع الأول: ضوابط استثمار النصوص الشرعية في الإبداع والابتكار لإدارة الاقتصاد الإسلامي والمعرفي.
يتطلب الإبداع والابتكار في استثمار النصوص الشرعية لخدمة الاقتصاد الاسلامي واقتصاد المعرفة، تَحقُّق شروطٍ والتزامًا بضوابط، وأما الخلل الذي يحصل في ذلك فجديرٌ بأن يوقِع في الحرام، ويفقد الاقتصاد الإسلامي هيبته؛ لكن الواقع يبين أن هذا الخلل إنما هو في طريقة الاستثمار، وليس في النصوص الشرعية، قال سامر قنطقجي:"إن ما يميز الابتكارات المالية الإسلامية سواء أكانت موجهةً للأفراد أم"
(1) سنن الترمذي، 1/ 615.
(2) راجع: الاقتصاد المعرفي ودوره في التنمية الاقتصادية، لصادق طعان، مرجع سابق.