الصفحة 8 من 36

الفرع الثاني: الإبداع والابتكار في السنة النبوية.

السنة النبوية وحيٌ، مصداقا لقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) } [1] ، ومنه، فهي تابعةٌ للقرآن الكريم في عرض المبتكرات، وسرد الإبداعات، بل وفي إرساء قواعد وأصول الإبداع والابتكار، قال يوسف عبد اللاوي:"إن الإبداع والابتكار واجبٌ يفرضه الدين وضرورةٌ يحتمها الواقع، فإذا كان القرآن الكريم قد تناول هذا الموضوع في إيحاءاتٍ موجزةٍ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد حقق ذلك قولًا وعملًا، وترك ثروةً هائلةً من النصوص والتوجيهات النبوية التي تدعو بمجملها إلى ضروة استخدام العقل في الابتكار النافع والإبداع الجميل" [2] . والمتأمل في روايات الأحاديث الصحيحة يقتنع أشد الاقتناع بغناها بما يَنُم عن إبداع الشخصية النبوية؛ ومن يفتش في كنوز السنة مستنيرًا بالمفاهيم العلمية والفنية الحديثة، يجد الجواب الشافي لا محالة، وربما يكتشف صيغًا تكون بديلًا شرعيًا للمعاملات المحظورة [3] .

لكن يجب الحرص كل الحرص على ألا تكون السنة مطيةً للتحايل على الشرع، لما رواه أبو هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ:"مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ، كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا" [4] ؛ فمن ابتكر منتجاتٍ إسلاميةً وأتى بحلولٍ شرعيةٍ، فقد سن سنةً حسنةً وله أجرها وأجر من عمل بها، ومن لجأ إلى التحايل وغطى المنتجات التقليدية بغطاءٍ إسلاميٍّ، ودس السم في العسل فقد سن سنةً سيئةً وعليه وزرها ووزر من عمل بها [5] .

وفي السنة النبوية ما لا يحصى من النماذج الإبداعية أسرد بعضها مع تعليقٍ طفيفٍ:

فعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ، فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» [6] .

(1) سورة النجم، الآية:5.

(2) الإبداع والابتكار في السنة النبوية، ليوسف عبد اللاوي، بحث منشور بمجلة أصول الشريعة للأبحاث التخصصية العدد 4، المجلد 1، بتصرف يسير.

(3) المخارج الشرعية للمعاملات المالية انطلاقا من السنة النبوية، لعلي نجم، بحث شاركت به في الندوة الدولية السابعة"إدارة المال والأعمال في السنة النبوية"، 2/ 759 - 806.

(4) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، 4/ 2060.

(5) الهندسة المالية الإسلامية، لعبدالكريم قندوز، بحث منشور بمجلة جامعة الملك عبد العزيز للاقتصاد الإسلامي، المجلد 20، العدد 2، ص 28.

(6) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، 2/ 123

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت