سبحانه: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) } [1] ، وفي هذا حثٌّ على التدبر في آيات الله، وعدم الإعراض عنها؛ لأنها مفاتيح الاجتهاد، وآلات الابتكار.
قال ابن عاشور [2] :"وكان في قصة داوود وسليمان تنبيهٌ على أصل الاجتهاد وعلى فقه القضاء، فهذه القضية التي تضمنتها الآية مظهرٌ من مظاهر العدل ومبالغ تدقيق فقه القضاء، والجمع بين المصالح والتفاضل بين مراتب الاجتهاد، فمضمونها أنها الفقه في الدين الذي جاء به المرسلون من قبل" [3] .
ففي الوجه الأول، ننطلق من إبداعٍ موصوف في القرآن، ونبني عليه؛ وفي هذا الوجه الثاني، لا يصف القرآن إبداعًا بعينه، إنما نَسْتشفُّه من المادة القرآنية وأصولها وقواعدها، وآلة ذلك هي الاستنباط والاجتهاد الشرعيان، يقول الشعراوي [4] :"إن الله لو أراد للمتشابه أن يكون محكمًا، لجاء به من المُحكَم، إذن فإرادة الله أن تكون هناك آيات المتشابه ومهمتها أن تحرك العقول، وذلك حتى لا تأتي الأمور بمنتهى الرتابة التي يجمد بها عقل الإنسان عن التفكير والإبداع، والله يريد للعقل أن يتحرك وأن يفكر ويستنبط. وعندما يتحرك العقل في الاستنباط تتكون عند الإنسان الرياضة على الابتكار، والرياضة على البحث، وليجرب كل واحدٍ منا أن يستنبط المتشابه إلى المحكم ولسوف يمتلك بالرياضة ناصية الابتكار والبحث، والحاجة هي التي تفتق الحيلة."
إن الحق يريد أن يعطي الإنسان دربةً حتى لا يأخذ المسألة برتابةٍ بليدةٍ، ويتناولها تناول الخامل، ويأخذها من الطريق الأسهل، بل عليه أن يستقبلها باستقبالٍ واعٍ وبفكرٍ وتدبرٍ" [5] ."
ومن الأمثلة على ذلك، وكتطبيقٍ على ما سبق، أذكر إبداعاتٍ لبشرٍ أمثالنا من الرسل وغيرهم، تفضل الله تعالى علينا بذكرها؛ ليبرهن لنا على أنه مبدعٌ في صنعه، ومبدع في التفضل بالإبداع على من اصطفاه من خلقه، ومن النماذج الكاشفة على ما أقول، قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ
(1) سورة يوسف، الآية:105.
(2) في تفسيره لقوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) } ، سورة الأنبياء، الآيتان:78 - 79.
(3) التحرير والتنوير، لابن عاشور، 17/ 115 - 116، باختصار يسير.
(4) في تفسيره لقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ (7) } ، سورة آل عمران، جزء من الآية:7.
(5) تفسير الشعراوي، للشعراوي، 2/ 1280.