الصفحة 24 من 51

ويُفْهَمُ من ظواهر هذه الأقوال أنهم يُحِلِّون ابنةَ الْمَزنيِّ بها للزَّاني مُطلقا، سواءٌ احتَمَل أن تكون من مائِهِ أم لا.

ولعلَّ اختلافَ القول عن بعضهم في نشر الحرمة بالزِّنى، كسعيد وعُروة ومجاهد والحسن، إنما هو بسبب اختلاف الواقعة المسئول عنها: فحين كان السؤال عن الزواج بأمُّ الْمَزنيِّ بها أو بابنتِها من غير الزّاني قالوا بالجواز، وحين كان السؤالُ عن بنت الْمَزنيِّ بها حيث احتُمِل أن تكون من الزَّاني قالوا بالتحريم. وهذا تخمينٌ ليس بالوُسْعِ إثباتُه.

ولكن قال ابن تيميَّة، رحمه الله، عندما سُئِلَ عمَّن زَنَى بامرأة وحَمَلت منه فأتت بأُنثى: فهل له أَنْ يتزوَّج البنت:

«لا يَحِلُّ ذلك عند جماهير العلماء، ولم يُحِلَّ ذلك أَحدٌ من الصَّحابة والتابعينَ لهم بإِحسان؛ ولهذا لم يَعْرف أحمدُ بن حنبل وغيرُه من العلماء، مع كثرة اطِّلاعهم، في ذلك نِزاعًا بين السَّلف، فأَفتى أحمدُ بن حنبل: إنْ فَعَلَ ذلك قُتِلَ. فقيلَ له: إنَّهُ حَكى فُلانٌ في ذلك خِلافا عن مالكٍ، فقال: يكذبُ فُلانٌ» [1] .

وقال جوابا عن سؤال آخرَ مُشَابِهٍ: «وأحمدُ لم يبلغْه أَنَّ في هذه المسْألة خلافا؛ فإِنَّ الخلافَ فيها إنَّما ظَهَرَ في زَمَنه، لم يَظْهَر في زَمَن السَّلف؛ فلهذا لم يَعرفه» [2] .

(1) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج 32، ص 138.

(2) المرجع السابق، ج 32، ص 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت