فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 86

رغم كل ذلك وغير ذلك مما يشين؛ فإن أقوامًا لا يزالون يستعذبون الديمقراطية وينافحون عنها، كأنهم أربابها وصانعيها، أُشربوا في قلوبهم حب الديمقراطية كما أُشرب بنو إسرائيل من قبل في قلوبهم حب العجل، فما نفعهم سمعهم؛ فردعتهم الآيات القرآنية والنصوص الشرعية، ولا نفعتهم عقولهم وأبصارهم؛ فبصرتهم بالواقع المرير الناتج عن تطبيق الديمقراطية.

وتعذر بعضهم بشبهة"المصلحة"و"الوصولية للقرار والسيادة عن طريق الديمقراطية"، واتخذوها سبيلًا لنيل المقاصد الشرعية والدينية، ولم يلتفتوا لشرعية هذه الوسائل وأحكامها في دين الله عز وجل، ودخلوا من جحر المساومة والمقايضة على ثوابت العقيدة والمنهج باسم"المصلحة"و"الغاية".

روى الطبري في تفسيره قال: لقي الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف؛ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: (يا محمد! هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونُشركك في أمرنا كله، فإن كان الذي جئت به خيرًا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خير مما في يديك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت منا بحظك) ، فأنزل الله: {قل يا أيها الكافرون} ، حتى انقضت السورة.

إننا نجد في هذه الحادثة؛ أن قريشًا طلبت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتنازل لها، وتتنازل له، حتى يلتقيا حول نقطة واحدة.

وقد يقول قائل: لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وافقهم على ذلك وطلب منهم أن يبدؤوا بعبادة الله أولًا، فإنهم إذا عرفوا الإسلام لن يرجعوا عنه، وفي هذا تحقيق مكسب كبير للإسلام، وتحقيق انتصار، ورفع للبلاء الذي يلاقيه المسلمون.

والجواب؛ أن الله قد حسم هذه القضية: {لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون ما أعبد} ، وفي آخرها: {لكم دينكم ولي دين} .

فالقضية قضية مبدأ، غير قابلة للمساومة، ولا للتنازل قيد أنملة، فهذه مسألة من مسائل العقيدة، بل هي العقيدة نفسها.

إن التأمل في هذه القضية، وكيف حسمها القرآن، يعطي من الدروس ما نحن بأمس الحاجة إليه، بل يرسم منهجًا واضحًا جليًا في كيفية مواجهة أساليب كثير من أعداء الإسلام - حاضرًا ومستقبلًا -

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت