فخرجا من عنده يحكمان أمرهما، وفشى فيهم ذلك، وجاهروا به الناس.
وتعرضوا لعلي في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه، فقام إليه جماعة منهم كل يقول: لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع أصبعه في أذنيه يقول: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} ، فجعل علي يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر يقول: حكم الله ننتظر فيكم، ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا، ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا) أهـ
فليس في هذا - إن صح إسناده - حجة البتة على أنه يجوز تمكين أهل البدع من إظهار بدعهم، والدعوة إليها، والمطالبة بتأسيس حزب يدعو إلى الضلالة بقانون يحميهم، ولا يقول بهذا عالم يفقه هذه الشريعة، فيعارض النصوص المحكمة الآمرة بإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد - يد السلطان، ويد من يقدر وجوبا - قبل اللسان والقلب.
وإنما كان هذا القول من علي رضي الله عنه؛ تبرئة للذمة، وقطعا لأي حجة قد يحتج بها مبطل فيما لو قام رضي الله عنه فقاتلهم، فقال:"إن كنتم مع جماعة المسلمين لم تمنعوا من المساجد، وإن كانت أيديكم معنا في جهاد اعداءنا، لم تمنعوا الفيء، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا"، وسكت عما وراء ذلك، وكان بينه وبين القوم مناوشات، وكانوا طائفة خرجت من جيشه، في وقت يحارب أعداءه، وكان يتربص بهم حكم الله فيهم، وأن يحسهم حسا بسيفه فرحا بذلك، مستبشرا بما سيجريه الله على يديه من الخير العظيم بإنكار منكرهم العظيم.
وليس في هذا من الدلالة من شيء على أن الإمام له أن يأذن بإظهار البدع، أو يقر الدعاة إليها فلا يأخذ على أيديهم! عجبا لهذا الاستدلال ما أضعفه، وأبعده عن الفهم الصحيح!
بل ما يجب على الإمام العادل؛ من منع إظهار البدع، أعظم مما يجب من منع إظهار المعاصي، فالولايات أصلا لم تنصب إلا للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما تقدم.
وقد كان علي رضي الله عنه، يمنع ويعاقب على بدع أدنى من بدع الخوارج.
كما قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وروي عنه بأسانيد جيدة أنه قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري، وعنه أنه طلب عبد الله بن سبأ لما بلغه أنه سب أبا بكر وعمر ليقتله فهرب منه، وعمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر برجل فضله على أبي بكر أن يجلد لذلك، وقال عمر رضي الله عنه لصبيغ بن عسل - لما ظن أنه من الخوارج: لو