أ) إن الذي وقع بالفعل هو استبدال تسلط الأقلية (في الأنظمة القديمة) باستبداد الأكثرية في الممارسة الديمقراطية الحديثة. فقد مكنت آلية الاحتكام للأكثرية إلى استفادة فئة من المجتمع على حساب المجموعات الأضعف من الأقليات الدينية والعرقية والنساء وطبقة الفقراء. وقد تبين معنا في الصفحات السابقة كيف سيطرت الطبقة الوسطى من البيض على زمام الممارسة الديمقراطية خلال قرن من الزمان. ومع مرور الوقت تزداد قوة الفئة المتحكمة، وتحتكر المزيد من السلطات على حساب الفئات الأخرى التي لا تتمكن من مباشرة الحكم بنفسها ولا تجد من يمثلها في هذا النظام.
ب) يتساءل الكثير من المفكرين الغربيين: هل الأغلبية دائمًا على حق؟
وهل يعني تأييد الغالبية لرأي معين بأنه رأي صحيح؟ أليس من الخطأ افتراض أن الأقلية دائمًا على باطل؟
والحقيقة هي أن الأكثرية تصوت لتحقيق المصالح الخاصة وليس لتحقيق المصلحة العامة ورفاهية المجتمع. وكثير ما لاحظ مؤرخو الغرب أن الشعوب تؤيد من يحقق مصلحة غالبية أفرادها ولو كان ذلك على حساب الأقلية أو على حساب الحرية أو الديمقراطية نفسها. ولذلك فقد اعتبر تأييد أغلبية المجتمع الألماني لأدولف هتلر في أواخر الثلاثينيات إجماع على باطل لأنه كان ضد الأقلية من اليهود!
ج) إذا وافقنا جدلًا على شرعية الأغلبية، فهناك مشكلة أخرى تتمثل في أن أنظمة الانتخابات لا تفرز حكومات مدعومة بأغلبية الشعب. ففي بريطانيا على سبيل المثال لم يحصل أي حزب خلال الخمسين عاما الماضية على 50% من أصوات الناخبين بل تكون النتيجة عادة هي أن الحزب الحاكم يمثل أصوات أكبر أقلية في المجتمع. ويشير إلى هذه الظاهرة روبرت دال بقوله:"إن الأكثرية لا تحكم أبدًا، فالنظام السياسي يعطينا الخيار بين حكم أقلية أو حكم مجموعة من الأقليات" [[1] ].
ثم تأتي بعد ذلك لعبة توزيع مراكز الاقتراع، بحيث تتفاوت قيمة الأصوات. وسبب ذلك هو الخلل في آلية التصويت، فمحور الديمقراطية هو المساواة السياسية بين أفراد المجتمع، ولكن الواقع هو أنه قد يفوق صوت شخص واحد عشرات الأصوات في مكان آخر، وتدل نتائج الانتخابات البريطانية عام 1983 على هذا التباين الخطير: