الصفحة 33 من 81

والملائكة، والصالحين، فإن هذا، هو شرك جاهلية العرب، الذين بعث فيهم، عبدالله، ورسوله، محمد صلى الله عليه وسلم، فإنهم كانوا يدعونها، ويلتجئون إليها، ويسألونها، على وجه التوسل بجاهها، وشفاعتها، لتقربهم إلى الله، كما نبه تعالى على ذلك، في آيتي يونس، والزمر.

قال رحمه الله: ومعلوم أن المشركين، لم يزعموا أن الأنبياء، والأولياء، والصالحين، شاركوا الله في خلق السماوات والأرض، واستقلوا بشيء من التدبير، والتأثير، والإيجاد، ولو في خلق ذرة من الذرات، قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} [الزمر: 38] فهم معترفون بهذا، مقرون به، لا ينازعون فيه، ولذلك: حسن موقع الاستفهام، وقامت الحجة بما أقروا به من هذه الجمل، وبطلت عبادة من لا يكشف الضر، ولا يمسك الرحمة؛ ولا يخفى ما في التنكير، من العموم، والشمول، المتناول لأقل شيء، وأدناه، من ضر، أو رحمة؛ قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] ذكر فيه السلف، كابن عباس، وغيره، أن إيمانهم هنا، بما أقروا به، من ربوبيته، وملكه؛ وفسر شركهم المذكور، بعبادة غير الله.

قال رحمه الله: فإن قلت: إنهم لم يطلبوا إلا من الأصنام، ونحن ندعو الأنبياء؛ قلت: قد بين القرآن في غير موضع، أن من المشركين من أشرك بالملائكة، ومنهم من أشرك بالأنبياء والصالحين، ومنهم من أشرك بالكواكب، ومنهم من أشرك بالأصنام، وقد رد الله عليهم جميعهم، وكفر كل أصنافهم، كما قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: 80] وقال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} [التوبة: 31] وقال: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر. . . الآية} [النساء: 172] ونحو ذلك في القرآن كثير.

وكما في سورة الأنبياء: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} [الأنبياء: 98] وقول ابن الزبعري: نحن نعبد الملائكة، والأنبياء، وغيرهم فكلنا في حصب جهنم؟! فرد الله عليهم بالاستثناء في آخرها: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون} [الأنبياء: 101] وبه يعلم المؤمن: أن عبادة الأنبياء، والصالحين، كعبادة الكواكب، الأصنام، من حيث الشرك، والكفر بعبادة غير الله.

قال رحمه الله: وهذه العبادات، التي صرفها المشركون لآلهتهم، هي: أفعال العباد الصادرة منهم؛ كالحب، والخضوع، والإنابة، والتوكل والدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، والخوف، والرجاء، والنسك، والتقوى والطواف ببيته رغبة ورجاء، وتعلق القلوب والآمال، بفيضه، ومده، وإحسانه، وكرمه، فهذه الأنواع: أشرف أنواع العبادة وأدلها؛ بل هي: لب سائر الأعمال الإسلامية، وخلاصتها؛ وكل عمل يخلو منها فهو خداج، مردود على صاحبه.

وإنما أشرك، وكفر من كفر من المشركين، بقصد غير الله بهذا، وتأليهه غير الله بذلك، قال تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} [النحل: 17] ، وقال تعالى: {أم لهم آلهةٌ تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون} [الأنبياء: 43] ، وقال تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون. . . الآية} [الفرقان: 3] ، وحكى عن أهل النار، أنهم يقولون لآلهتهم التي عبدوها مع الله: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين} [الشعراء: 97 - 98] ومعلوم: أنهم ما ساووهم به، في الخلق، والتدبير، والتأثير، وإنما كانت التسوية، في الحب، والخضوع، والتعظيم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت