ولذلك وجب علينا التحذير من أخذ الفتوى من هؤلاء, فالمقلدون هم أغلب الأمة والسواد الأعظم وهؤلاء يجب عليهم في النوازل أن يسألوا العلماء لمعرفة حكم الله تعالى فيها وهذه مسألة متفق عليها بين العلماء.
قال ابن عبد البر {جامع بيان العلم ج 2 ص 988} :
فَإِنَّ الْعَامَّةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَقْلِيدِ عُلَمَائِهَا عِنْدَ النَّازِلَةِ تَنْزِلُ بِهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَبَيَّنُ مَوْقِعَ الْحُجَّةِ وَلَا تَصِلُ لِعَدَمِ الْفَهْمِ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ دَرَجَاتٌ لَا سَبِيلَ مِنْهَا إِلَى أَعْلَاهَا إِلَّا بِنَيْلِ أَسْفَلِهَا، وَهَذَا هُوَ الْحَائِلُ بَيْنَ الْعَامَّةِ وَبَيْنَ طَلَبِ الْحُجَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَلَمْ تَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامَّةَ عَلَيْهَا تَقْلِيدَ عُلَمَائِهَا وَأَنَّهُمُ الْمُرَادُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْأَعْمَى لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَثِقُ بِمَيْزِهِ بِالْقِبْلَةِ إِذَا أَشْكَلَتْ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ وَلَا بَصَرَ بِمَعْنَى مَا يَدِينُ بِهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَقْلِيدِ عَالِمِهِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ أَنَّ الْعَامَّةَ لَا يَجُوزُ لَهَا الْفُتْيَا، وَذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِجَهْلِهَا بِالْمَعَانِي الَّتِي مِنْهَا يَجُوزُ التَّحْلِيلُ وَالتَّحْرِيمُ وَالْقَوْلُ فِي الْعِلْمِ. هـ
ولا يعني هذا أن يقلد العامي العَالمَ تقليدا أعمى ويتعصب لأقواله بل متى ظهر بطلان قول العالم وجب على العامي الرجوع عن مذهب شيخه لأنه في الأصل متعبد باتباع الكتاب والسنة؛ فالمذموم في التقليد هو التقليد الأعمى بحيث أنه يبقى على خطئه ويأبى الرجوع إلى الحق وحجته في ذلك أنه على قول شيخه ولا يخالفه أبدا, وأما الأخذ بقول العالم في النوازل وسؤاله عن حكم الله فيها فهذا واجب على العامي الذي لا يستطيع أن يستنبط الأحكام الشرعية من النصوص.
وبالتالي لا يجوز للعامي أن يأخذ بفتاوى هؤلاء المجاهيل لأن الله تعالى أمره بسؤال العلماء, فكيف له أن يعرف أن ذلك المجهول عالم؟ فهو مجهول العين لا تعرف عينه فكيف سيعرف علمه؟
واتباع ذلك المجهول قد يكون سببا في الضلال والإضلال, لانتشار الجهل بين الناس في هذه العصور؛ فلا نأمن أن يكون ذلك"المفتي"ممن يحسن النسخ والنقل ولا يفهم ما ينقل, فيجعل العام خاصا والخاص عاما والمقيد مطلقا والمطلق مقيدا ... إلخ, فالمتضرر حينها من يقرأ ويتبع هؤلاء.