وَإِنَّمَا أُسْنِدَ هَذَا الْحُكْمُ إِلَى أَكْثَرِهِمْ لَا لِجَمِيعِهِمْ تَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ بِأَنَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقَّ وَيَجْحَدُونَهُ، أَوْ إِيمَاءً إِلَى أَنَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ تَهَيَّأَتْ نُفُوسُهُمْ لِقَبُولِ الْحَقِّ. هـ
وأما التفريق بين القول والقائل والفعل والفاعل في المسائل الخفية والمسائل الظاهرة لمن كان جهله معتبرا وتأويله معتبرا, فهذا حق دلت عليه النصوص الشرعية وهذه بعضها:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:"أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ فَقَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَأَحْرِقُونِي، ثُمَّ اسْحَقُونِي، ثُمَّ اذْرُونِي فِي الرِّيحِ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللهِ لَئِنْ قَدَرَ عَلَيَّ رَبِّي لَيُعَذِّبُنِي عَذَابًا مَا عَذَّبَهُ بِهِ أَحَدًا، قَالَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، فَقَالَ لِلْأَرْضِ: أَدِّي مَا أَخَذْتِ، فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ، فَقَالَ لَهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: خَشْيَتُكَ، يَا رَبِّ - أَوْ قَالَ مَخَافَتُكَ - فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ" [مسلم 2756] .
فهذا الرجل أنكر قدرة الله على بعثه وإنكار ذلك كفر, لكن الله تعالى غفر له, فدل هذا على أنه لم يكفر بتلك المقالة التي قالها, وهذا الحديث دليل على إثبات مانع الجهل.
قال ابن قتيبة [تأويل مختلف الحديث ص 244] :
وَهَذَا رجل مُؤمن بِاللَّه، مقر به، خَائِفٌ لَهُ، إِلَّا أَنَّهُ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، فَظَنَّ أَنَّهُ إِذْ أحرق وذري الرِّيحِ أَنَّهُ يَفُوتُ اللَّهَ تَعَالَى، فَغَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ بِمَعْرِفَتِهِ مَا بِنِيَّتِهِ وَبِمَخَافَتِهِ مِنْ عَذَابِهِ جَهْلَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ صِفَاتِهِ. هـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية [مجموع الفتاوى ج 3 ص 231] :
فَهَذَا رَجُلٌ شَكَّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ وَفِي إعَادَتِهِ إذَا ذُرِّيَ، بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُعَادُ، وَهَذَا كُفْرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ، لَكِنْ كَانَ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ وَكَانَ مُؤْمِنًا يَخَافُ اللَّهَ أَنْ يُعَاقِبَهُ فَغَفَرَ لَهُ بِذَلِكَ. وَالْمُتَأَوِّلُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ الْحَرِيصُ عَلَى مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ أَوْلَى بِالْمَغْفِرَةِ مِنْ مِثْلِ هَذَا. هـ
وقال عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب [الدرر السنية ج 10 ص 240] :
فهذا الرجل اعتقد أنه إذا فعل به ذلك، لا يقدر الله على بعثه، جهلا منه لا كفرا ولا عنادا، فشك في قدرة الله على بعثه، ومع هذا غفر له ورحمه، وكل من بلغه القرآن، فقد قامت عليه الحجة بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن الجاهل يحتاج إلى من يعرفه بذلك من أهل العلم، والله أعلم. هـ