الصفحة 16 من 34

القلق؛ كيف عالجه الإسلام؟

الكاتب: غازي التوبة

وصف عصرنا؛ بأنه عصر القلق، وهناك أسباب متعددة لهذا القلق ولدتها الحضارة الحديثة، وأبرزها التعقيدات الحياتية التي أفرزتها الآلات والتكنولوجيا والمصانع الحديثة، وقد زادت الحربان العالميتان اللتان وقعتا في النصف الأول من القرن العشرين من حجم القلق الذي تعانيه البشرية.

ولا شك أنّ الإحساس بالقلق إحساس قديم رافق الإنسان منذ وجوده على ظهر الأرض، لكن حجمه ازداد في العصر الحاضر.

والقلق في أجلى صوره هو الخوف من المستقبل والقادم المجهول.

فكيف عالج الإسلام القلق عند الإنسان؟

اعترف الإسلام منذ البداية بأنّ الإنسان مفطور على الخوف فقال سبحانه وتعالى: {إنَّ الإنسانَ خُلِقَ هَلوعًا * إذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزوعًا. وإذا مَسَّهُ الخيرُ مَنوعًا} (المعارج، 19 - 21) .

وقد أوضحت آيات متعددة خوف بعض الأنبياء في بعض المواقف فذكر القرآن الكريم خوف موسى وهارون عليهما السلام من مواجهة فرعون فقال سبحانه وتعالى: {إنّنا نَخافُ أَيْ يَفْرُطَ علينا أو أنْ يَطْغَى} (طه، 45) ، وذكر القرآن في موضع آخر أنّ موسى عليه السلام يخاف من قتل فرعون فقال سبحانه وتعالى: {ولهم عَلَيَّ ذنبٌ فأخافُ أَيْ يَقْتُلونِ} (الشعراء، 14) .

وقد وضحت آيات أخرى خوف إبراهيم عليه السلام من الملائكة الذين زاروه في صورة بشر ولم تصل أيديهم إلى الطعام الذي قدمه لهم، فقال سبحانه وتعالى: {ولقد جاءَ تْ رُسُلُنا إبراهيمَ بالبُشْرى قالوا سلامًا قال سلامٌ فما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنيذٍ. فلمّا رَأى أيدِيَهُم لا تَصِلُ إليهِ نَكِرَهُم وأَوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قومِ لوطٍ} (هود، 69 - 70) ، وقد تحدثت آيات أخرى عن الواقعة ذاتها فقال سبحانه وتعالى: {هل أَتاكَ حديثُ ضيفِ إبراهيمَ المُكْرَمينَ. إذْ دخلوا عليه فقالوا سلامًا قال سلامٌ قومٌ مُنْكَرونَ * فراغَ إلى أهلِهِ فجاءَ بِعِجْلٍ سَمينٍ. فقَرَّبَهُ إليهِم قال ألاَ تأْكلونَ * فأَوْجَسَ منهُم خِيفَةً قالوا لا تَخَفْ وبَشَّروهُ بِغُلامٍ عَليمٍ} (الذاريات، 24 - 28) .

وبعدما اعترف الإسلام بفطرية الخوف عند الإنسان، وأنّ كل إنسان لا محالة خائف، عالج الخوف بخطوتين مترافقتين:

الأولى؛ استحضار واستشعار معية الله سبحانه وتعالى:

ويمكن أن نمثل على ذلك بواقعة أمر الله لموسى وهارون عليهما السلام أن يذهبا إلى فرعون لدعوته ومخاطبته في شأن بني إسرائيل، وإجابتهما بأنهما يخافان من بطشه وعدوانه، لكنّ الله أخبرهما بأنّ عليهما ألاّ يخافا من بطش فرعون وألاّ يخافا من تلك المواجهة لأنه - أي الله - معهما يسمع ويرى، فقال سبحانه وتعالى: قالا ربنا إنّنا نخافُ أَن يَفْرُطَ علينا أو أَن يَطْغى * قال لا تَخافا إنّني معكُما أَسْمَعُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت