الكاتب؛ غازي التوبة
نقلت الروايات التاريخية أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي اختار الهجرة مبتدأً للتاريخ الإسلامي، والمتأمل بهذه الواقعة ترد على خاطره عدة أسئلة منها: لماذا كان عمر بن الخطاب هو الذي اختار بداية التاريخ الإسلامي؟ ولماذا لم يعتمد المسلمون التواريخ التي كانت سائدة في محيطهم الثقافي؟ وما الذي يعنيه هذا الاختيار؟
أما بالنسبة للسؤال الأول فإنه ليس ذلك بعيدًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنه المؤسس الأول لقواعد الحكم الإسلامي في مختلف المجالات، فقد تمت الفتوحات الكبرى في عهده وأنشأ الدواوين، ونظم القضاء، وأحكم نظام الشورى إلخ ... ، لذلك ليس بعيدًا على رجل مثله أن يفكر في وضع بداية متميزة للتاريخ الإسلامي، لأنّ هذه الخطوة تكون استكمالًا للدولة التي وضع عمر بن الخطاب قواعد بنيانها، لكن ليس معنى هذا أنّ عمر بن الخطاب هو الذي انفرد بمثل هذا القرار، ولابدّ أنه خضع للمشاورة مع الصحابة الآخرين ككل القرارات الأخرى التي أخذها عمر بن الخطاب رضي الله عنه والتي أخضعها للحوار المفتوح والمشاورة مع أهل الرأي من الصحابة رضي الله عنهم كما حدث في عدم توزيع أرض سواد العراق على المقاتلين المسلمين، فكانت الحصيلة اعتماد الهجرة مبتدأ للتاريخ الإسلامي وليس شيئاُ غير الهجرة.
أما بالنسبة للسؤال الثاني فإنّ المسلمين لم يقلّدوا الآخرين في اتباع تاريخ من تواريخهم وذلك لامتلاء ذواتهم بشخصيتهم الحضارية المتميزة، وقد ساهم في تكوين ذلك الامتلاء ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بالرسالة المنوطة بهم المتمثلة في قوله عز وجل: [وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لتكونوا شُهداءَ على الناسِ ويكون الرسولُ عليكم شهيدًا] (البقرة،143) ، وفي قوله عز وجل: [كنتم خيرَ أمةٍ أخرجَتْ للناسِ تأمرون بالمعروفِ وتَنْهَوْنَ عن المنكرِ وتؤمنونَ باللهِ] (آل عمران،110) ، والتي عبّر عنها ربعيّ بن عامر رضي الله عنه عند مواجهته لرستم قائد الفرس في قوله:"جئنا لنخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".
الثاني: الاعتقاد بأحقية الدين الإسلامي وبأنه آخر الأديان وأكملها، وبأنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم سيد الرسل وخاتمهم، وبأنّ القرآن الكريم معجزة الله الأخيرة للبشر.