الصفحة 33 من 34

الثالث: تَمَيُّزُهم في عقائدهم وعبادتهم وأذانهم وصلاتهم وشعائرهم إلخ ... ، وكان هذا التميّز ثمرة من ثمرات توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم ومقتضيات الصراط المستقيم الذي يوجب مخالفة أصحاب الجحيم.

لقد ولّدت الأمور السابقة غنى في نفوس المسلمين، وثقة في المنهج، وتميزًا في السلوك، وإحساسًا بالدور التاريخي الجديد الذي يجب أن يكون من مقتضاه تأريخًا متميزًا.

أما بالنسبة للسؤال الثالث عن معاني اختيار الهجرة كمبتدأ للتاريخ الإسلامي فتفرض عدة أسئلة نفسها على الباحث في هذا المجال أولها: لماذا لم يختر الصحابة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم منطلقًا للتاريخ الإسلامي؟ ومن المعلوم أنّ مولد الرسول صلى الله عليه وسلم كان عام الفيل، وهو العام الذي قصد فيه أبرهه الحبشي الكعبة ليهدمها وجلب معه الفيلة في حملته تلك، ولكن الله حفظ الكعبة وحدثت المعجزة بأن سلط عليهم طيرًا أبابيل فأهلكتهم، وتحدثت عن ذلك"سورة الفيل"في القرآن الكريم، ومما يقوّي هذا الاتجاه بأنّ دولة الروم كانت قد اتخذت ولادة المسيح عليه الصلاة والسلام منطلقًا لتأريخها، فلماذا لم يجعل المسلمون من مولد الرسول صلى الله عليه وسلم منطلقًا لتأريخهم الخاص بهم مع أنّ مولده ليس مولدًا نكرة بل كان مولدًا مترافقًا مع أحداث بارزة ومشهورة في كل الجزيرة العربية عززته آيات قرآنية؟

أرجّح أنّ ذلك ثمرة لتربيتهم القائمة على تقديم المنهج على الشخص وتقديم الرسالة على الرسول، وقد رسخ الإسلام ذلك ويتضح ذلك بعدة وقائع منها: تسمية دينهم الإسلام وليس"الدين المحمدي"أو"المحمدية"، وتسميتهم المسلمين وليس"المحمديين"، وتقديم قول الرسول صلى الله عليه وسلم على فعله في أصول الفقه في حال تعارضهما لأنّ القول يعني الرسالة والفعل يعني الرسول، ومما ينمي هذا الاتجاه تأكيد القرآن الكريم على بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم في عدة آيات منها قوله عز وجل: [قُلْ إنما أنا بشرٌ مِثْلُكُم يوحَى إلَيَّ أَنَّما إلَهُكُم إلَهٌ واحدٌ فَمَن كان يرجو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيعمَلْ عملًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بعبادةِ رَبِّهِ أَحَدًا] (الكهف،110) ، وإبراز بعض أفعاله التي خالفت الأَوْلى من مثل اتخاذه الأسرى بعد غزوة بدر حيث قال عز وجل: [ما كان لنبيٍ أن يكونَ لهُ أسرَى حتى يُثْخِنَ في الأرضِ تُريدونَ عَرَضَ الدنيا واللهُ يُريدُ الآخرةَ واللهُ عزيزٌ حكيمٌ] (الأنفال،67) ، ومن مثل إعراضه عن عبد الله بن أم مكتوم طمعًا في إسلام وجهاء قريش فقال عز وجل: [عَبَسَ وتَوَلَّى. أن جاءَهُ الأعْمى. وما يُدْريكَ لعلّهُ يزَّكَّى. أو يذَّكَّرُ فتنفَعَهُ الذّكْرى. أمّا مَنِ اسْتَغْنى. فأنتَ لهُ تَصَدَّى. وما عليكَ ألاَّ يَزَّكَّى] (عبس،1 - 7) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت