الصفحة 34 من 34

إنّ تقديم الرسالة على الرسول والمنهج على الشخص لا يتعارض بحال من الأحوال مع تعلّق المسلمين بالرسول صلى الله عليه وسلم وحبّهم إياه أكثر من أولادهم وذواتهم، واتخاذه قدوة لهم، ولا يتعارض مع اعتقادهم أنه سيد ولد آدم، وأنه خير الرسل وإمامهم، وأنه الرحمة المهداة إلى البشرية كما قال عز وجل: [وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالَمينَ] (الأنبياء،107) ، وأنه خير العابدين على وجه الأرض. لا تعارض بين كل ذلك التعظيم والتوقير والتقدير للرسول صلى الله عليه وسلم وبين تقديم الرسالة على شخصه لأنّ الإسلام هو الذي وجههم إلى تلك الأفعال وهو الذي رسّخ في حسّهم ذلك التقديم.

إنّ تقديم الرسالة على الرسول وتقديم المنهج على الشخص كانت نقلة نوعية في تاريخ البشرية لأنّ معظم الضلال الذي وقعت فيه الأمم السابقة على الإسلام كان من تعظيمهم الأشخاص وتقديمهم على المنهج والوقوع بالتالي في تأليههم وعبادتهم بعد ذلك.

إنّ اختيار الصحابة للهجرة وليس ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم ثمرة التربية السابقة التي تقوم على تقديم المنهج على الشخص وتقديم الرسالة على الرسول، فالهجرة كانت جزءًا من حركة الرسالة على الأرض، وكانت منعطفًا مهمًا في حياة المسلمين، وكانت نقلة نوعية في المجتمع الإسلامي إذ نقلتهم من الاستضعاف إلى التمكين، ومن الدعوة إلى الدولة، ومن الجماعة إلى الأمة، لذلك اختيرت لتكون مبتدأً لتأريخهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت