الصفحة 59 من 145

أمريكا وأوروبا وحتى روسيا والصين وإيران التي إما خذلتهم أو أعانت عليهم فإنهم سيعجزونَ عن فهمِ موقفِ النظامِ الجزائريِّ من الثورةِ السوريةِ عامةً ومن السوريين الذين فرُّوا إلى الجزائرِ على وجهِ الخصوصِ، فبينما كان اللاجئونَ السوريونَ يتصوَّرون وهُم في رحلتهم إلى الجزائرِ أنهم سينزلون ضيوفًا على دولةِ المليونِ ونصفِ المليونِ شهيدٍ؛ دولة سمعوا عنها طويلًا أنها تساندُ حركاتِ التحررِ في العالمِ وتُؤيدُ كلَّ القضايا العادلةِ في العالمِ وهي لقضايا العربِ أشدُّ تأييدًا، دولة كان يحلو لزعمائها وإعلامها ترديدَ شعاراتٍ كانت في وقتٍ من الأوقاتِ ثوابتَ للسياسةِ الخارجيةِ للجزائرِ مثل:"الجزائر مع حق الشعوب في تقرير مصيرها"أو"الجزائر مع فلسطين ظالمةً أو مظلومة". فإذا بهم يفاجَؤون ببرودةِ الاستقبالِ بل بالتجاهلِ والإهمالِ، فكانت هذه أول الإهاناتِ، ثم تلتها سلسلةٌ من الاستفزازاتِ بلغت إلى حدِّ تعييرهم بالتسوُّلِ لأنهم وجدوا أنفسهم في العراءِ يعيشون على صدقاتِ المحسنين من أبناءِ الشعبِ الجزائريِّ.

ولما بدأ وضع اللاجئين يثارُ في وسائلِ الإعلامِ وفي الأوساطِ الشعبيةِ اضطرت الدولةُ للتدخلِ، وإمعانًا في الإهانةِ حددت لهم شاليهاتٍ ومحاشرَ لا تصلحُ للبشرِ لأنها لا تتوفرُ على أبسطِ مقوماتِ الحياةِ الكريمةِ، وكان من البديهيِّ أن يرفضها اللاجئون، ولكنّ الدولةَ على لسانِ وزير داخليتها هددتهم مِن دون حياءٍ بالوقوعِ تحت طائلةِ القانونِ.

وهكذا فإنَّ إخواننا المضطهدين فرُّوا من القطرِ فوجدوا أنفسهم تحت الميزابِ، استجاروا ببوتفليقة هربًا من بشّار فتبين لهم أنهم استجاروا من الرمضاءِ بالنار، والحقيقة أنهم قد أساؤوا التقديرَ حين اختاروا الجزائرَ كوطنِ لجوءٍ لهم، والذي أوقعهم في هذا الخطأ أنهم لم يكونوا يُصدِّقون أنّ الجزائرَ بلدٌ ما زالَ تحتَ الاحتلالِ، ولم يكونوا يدرونَ أنَّ الجزائريينَ شعبٌ لمْ يتحررْ بعدُ مِن نيرِ الاستعمارِ، ولو كانوا على درايةٍ بمواقف الجزائر من الثوراتِ العربيةِ السابقةِ لعرفوا أنَّ هذا النظامَ سيعاقبهم وينتقمُ منهم بمجردِ أن تطأ أقدامُهم أرضَ المطارِ؛ لأنَّ الثورةَ السوريةَ في منظورهِ جنايةٌ والثوارَ جناةٌ، إذًا فالشعبُ السوريُّ المؤيدُ للثورةِ والثوار حكمه حكمُ الجُناةِ.

وموقفه هذا مبدئيٌّ وقديمٌ؛ فقد تآمرَ على الثورةِ في تونسَ، وكان تآمره على الثورةِ الليبيةِ أشد، وهو اليومَ في صفِّ النظام السوريِّ يؤيده ويجادلُ عنه في المحافلِ الدوليةِ بدعوى التزامِ الجزائرِ بمبدأ عدمِ التدخلِ في الشؤونِ الداخليةِ للدولِ، ومبدأ رفضِ التدخلِ الأجنبيِّ في الصراعاتِ، مع أنها تغضُّ الطرفَ عن التدخلِ الإيرانيِّ والروسيِّ في سوريا ولا تدينه مع أنه مكشوفٌ ومفضوحٌ.

إنَّ هذا الموقفَ المخزيَ للنظامِ الجزائريِّ من هؤلاء اللاجئينَ وفي هذا الشهرِ بالذاتِ شهرِ الصيامِ وشهرِ التضامنِ والتكافلِ والذي آلمَ الشعبَ وأغضبه وآلمَ أصحابَ القلوبِ الرحيمةِ حتى مِن غيرِ المسلمينَ لَهُوَ دليلٌ على حجم العُقدة ومقدارِ الهوسِ الذي أصابَ هذا النظامَ مِن الثوراتِ إلى درجةٍ تحولت معها سياساته الداخليةُ والخارجيةُ إلى ركامٍ من التناقضاتِ، ولا أدلَّ على ذلك من أنه فيما يخصُّ المسألةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت