فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 284

انبرامه. وقال مجاهد وقتادة وابن زيد هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده. وهذا القول أرجح وأظهر، وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا. انتهى كلامه رحمه الله.

فيتبين لنا ممن سبق عظم أمر العهود والبيعات في الإسلام، وعظم شأن نقضها ونكثها دون مسوغ شرعي، ويظهر لنا أيضًا أن من قام بنقض العهود والبيعات، أنه آثم مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، وأنه غادر وبه صفة من صفات المنافقين، ألا وهي: "إذا عاهد غدر" أجارنا الله من صفات المنافقين وأعمالهم الظاهرة والباطنة.

وعلى ما تقدم ذكره يتبين لنا حرمة نقض بيعة المجاهدين لبيعاتهم مع جماعاتهم المجاهدة الثابتة على العهد، والتي لم تخل بما يوجب نقض هذه العهود والبيعات، من ردة ظاهرة وكفر بواح، أو مخالفة صريحة كلما أبرمت عليه هذه البيعات.

أما ما قام به قادة جماعة الدولة من إعلان للخلافة وإبطال للبيعات والجماعات الجهادية السابقة لهم، وتأثيم المسلمين وأفراد تلك الجماعات، وتحريضهم ودعوتهم لنقض بيعاتهم من جماعاتهم، وما ترتب على ذلك من نقض للبيعات، وشق لصفوف المجاهدين، وكثرة النزاعات والخلافات الداخلية في هذه الجماعات، فلا نرى صحة ما قاموا به، لعدم قيامه بالشروط الشرعية المبينة في كتب أهل العلم والمعرفة، وقد كثرت ردود أهل العلم وبيانات الجماعات الجهادية الثابتة على العهد، في بيان بطلان ما قاموا به. وبالنظر في الطريقة التي أُعلنت بها الخلافة فهي لم تتم بطريقة اختيار أهل الحل والعقد في الأمة، ولم تتابع في تصرفها، ولم تتغلب على ديار المسلمين تغلبا يبيح لها القول بلزوم بيعتها على جميع المسلمين.

وقد روى البخاري في [كتاب الحدود/باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت] عن ابن عباس قال: «كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين، منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمَّت، فغضب عمر، ثم قال: إني إن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت