فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 284

فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة. يا معشر قريش، أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم. حسنه الألباني في فقه السيرة.

فأين هذه الهمة النبوية الشامخة من أولئك الذين سلكوا سبل الشيطان، الذي جعلوا الغاية عندهم تبرر الوسائل الشيطانية وزعموا أنهم يريدون التمكين لدين الله، وتطبيق شرعه في الأرض، فداهنوا طواغيت المشرق والمغرب والعرب والعجم، فدخلوا برلمانات الشرك والتشريع من دون الله، وجاوروا فيها العلمانيين والشيوعيين والنساء السافرات وكل عدو للإسلام! وجرّموا في المقابل دعاة التوحيد والمنكرين عليهم، وسفّهوا طرقهم الربانية النبوية في إنكار شرك الديمقراطية ونظامها الكفري بالبراءة من الطواغيت وتبيين كفرهم وجهادهم بالسيف والسنان والحجة والبيان.

فليعتبروا من هذا الهدي النبوي الشريف في الوسيلة الشرعية للتمكين لدين الله باتباع الكتاب والسنة في الدعوة إلى الله. فلم يقل -عليه الصلاة والسلام- بعد هذه العروض التي عرضها عتبة بن ربيعة أقبل المال أو الشرف أو الملك ثم بعد ذلك أفرض عليهم الإسلام. وذلك بأنه يعلم -عليه الصلاة والسلام- أن الطريق للتمكين لدين الله لا يأتي بهذه الوسائل. ويعلم أن الأعداء لا يهمهم إعطائه هذه العروض إلا إذا ترك الدعوة إلى التوحيد ونشره بينهم. وإذا لم يترك ذلك ويتنازل عنه فسيأخذون منه ما أعطوه، وأنهم ما أرادوا بهذه العروض إلا تقييده وإسقاطه بين الناس، وأنه ما أراد بهذه الدعوة إلا عرضًا من أعراض الدنيا.

ولينظر هؤلاء المغرورون إلى قصص وسير الأنبياء عليهم السلام وكيف عانوا في دعوة أقوامهم وماذا كانت النتائج. قال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت