فهرس الكتاب
بِهَا بِكَافِرِينَ (89) أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [الأنعام: 89، 90] . وقال تعالى: {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ} [هود: 120 - 122] .
وقد وجد -عليه الصلاة والسلام- أصنافًا من العذاب والأذى من قومه ومع ذلك لم يجعله هذا الأذى والعذاب= يستعجل إنزال العقوبة بهم ولا دعاه ذلك للانتقام منهم بنفسه ولم يزل همه الأول هو هداية الخلق وله همة الجبال وأعظم منها في ذلك فداه نفسي وما في الأرض جميعًا.
روى عروة بن الزبير -رحمه الله- أن عائشة -رضي الله عنها- زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - حدثته أنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم - هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلم عليّ ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا.
واستمر -عليه الصلاة والسلام- في دعوته ولم ييأس صابرًا مثابرًا وأحزنه عدم استجابة كثير منهم فأنزل الله عليه: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [الشعراء: 3] . قال ابن كثير -رحمه الله-: وهذه تسلية من الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - في عدم إيمان من لم يؤمن به من الكفار كما قال تعالى: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] ، وكقوله: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ} [الكهف: 6] الآية. قال مجاهد وعكرمة وقتادة وعطية والضحاك والحسن وغيرهم: لعلك باخع نفسك أي قاتل نفسك. اهـ
وعندما تيقن -عليه الصلاة والسلام- أن قريشًا لن يؤمنوا به ولن يؤووه وينصروه ويكونوا حاضنة لدعوته لم ييأس، ولم ينثن عن تحقيق همه، وعلو همته، فقام يبحث عمن يؤويه وينصره ليحقق هذا الهم العظيم، فامتنعت