فهرس الكتاب

الصفحة 141 من 284

القبائل والأقوام عن القيام بهذا الواجب حتى أكرم الله عباده الأنصار من الأوس والخزرج بشرف الإيواء والنصرة فكانوا خير من قام بهذا العبء العظيم فجزاهم الله خير الجزاء.

فعن جابر -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول هل من رجل يحملني إلى قومه فإن قريشًا قد منعوني أن أبلغ كلام ربي. قال فأتاه رجل من بني همدان فقال أنا. فقال وهل عند قومك منعة؟ قال نعم. وسأله من أين هو. فقال من همدان. ثم إن الرجل الهمداني خشي أن يغفره قومه فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال آتي قومي فأخبرهم ثم ألقاك من عامي القادم. فانطلق فجاء وفد الأنصار في رجب. قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصححه الألباني في فقه السيرة.

مع ما في الخروج من مكة والهجرة منها من شدة ومشقة على نفسه -عليه الصلاة والسلام- ونفس صحابته -رضي الله عنهم-. روى الترمذي وماجة وغيرهما عن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على ناقته واقف بالحزورة يخاطب مكة يقول والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلي. والله لولا أني أُخرجت منك ما خرجت. وفي هذا الحديث دليل واضح على مشقة فراق مكة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

ولكن الهمّ الذي كان يحمله، والهمة المتقدة بين جوانحه لتحقيق همه جعله يضحي بالبقاء في مكة في سبيل تحقيق همه -عليه الصلاة والسلام-. فأين هؤلاء الذين يؤثرون ما هو أدنى من ذلك على أمر التوحيد والدعوة إليه وتحمل الأذى في سبيل تبليغه، بل ويقولون الباطل ويقفون في صفه، ويداهنون في دين الله الطواغيت وأعوانهم، ويحاربون أولياء الله من الدعاة والعلماء المخلصين والمجاهدين الصادقين كما نحسبهم والله حسيبهم. ثم يسمون أنفسهم دعاة وعلماء وربانيين وحاشا لله أن يكونوا كذلك! فهم أبعد الناس عن هذه الأوصاف الجليلة في ديننا. وهم أقرب أن يكونوا مم وصفهم الله فقال: {اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 9] .

وهاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهجر الراحة والسكون في سبيل الله وفي سبيل تحقيق همه بنشر التوحيد والدعوة إليه.

وبدأ جهاد الأعداء وأئمة الكفر، ولم ينشغل بمعارك جانبية تؤخره عن كسر شوكة رأس الكفر آنذاك قريش التي بكسرها وزوالها يزول الشرك، ويضعف في نفوس أتباعه. مع ما كان يواجهه -عليه الصلاة والسلام- من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت