كان دعاءً صيغةً، وهذا صيغته من كلام الناس وإن خاطب الله تعالى، فكان مفسدًا بصيغته والكتاب والسنة محمولان على دعاء لا يشبه كلام الناس أو على خارج الصلاة [1] .
2 -أن ما يجوز أن يخاطب به العبد فهو من كلام الناس وضعًا ولم يخلص دعاءً، وقد جرى الخطاب فيما بين العباد بما ذكرنا، ألا ترى أن بعضهم يسأل بعضا ذلك فيقول: أعطني درهما، وكلام الناس مفسد [2] .
3 -لو أنشد شعرًا في الصلاة لكان مفسدًا لصلاته، ومن الشعر ما هو ذكر لله تعالى، كما قال الشاعر: *ألا كل شيء ما خلا الله باطل* [3] .
المذهب الثاني: إذا كان الدعاء في الصلاة غير موافق لما في القرآن، فلا تبطل صلاته، وبذلك قال: بعض المالكية [4] ، والشافعية [5] ، والحنابلة في رواية [6] . واشترط الشافعية أن لا يدعو بمحرم، وأن لا يخاطب بالدعاء أي مخلوق ما عدا النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلا فتبطل الصلاة.
أدلة أصحاب المذهب الثاني: استدلوا لما ذهبوا إليه بما يأتي:
1 -قوله تعالى: {وَاسْأَلُوا اللّهَ مِن فَضْلِهِ} [32: النساء] .
2 -قوله - صلى الله عليه وسلم - (سلوا الله كل شيء حتى الشسع فإن الله إن لم ييسره لم يتيسر) [7] .
3 -وعن علي - رضي الله عنه - أنه كان يقنت في صلاة
الفجر يدعو على من ناوأه، أي: عاداه [8] .
يرد على ذلك: أن عليًا - رضي الله عنه - لم يسوغ له ذلك الاجتهاد، فكتب إليه أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - أما بعد: فإذا أتاك كتابي هذا فأعد صلاتك [9] .
الترجيح: الراجح في هذه المسألة هو المذهب الأول القائل بأن الدعاء في الصلاة غير الموافق لما في القرآن ويمكن طلبه من الناس يبطل الصلاة، وذلك لما يأتي:
1 -عدَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - تشميت العاطس كلامًا مفسدًا للصلاة لما فيه من خطاب للآدمي.
2 -الأدلة المانعة من الكلام في الصلاة، تدل على بطلانها بأي كلام خارج عن نظمها.
3 -الآية الكريمة والحديث الشريف اللذين استدل بهما أصحاب المذهب الثاني لا حجة فيهما على المطلوب، فالآية لا دليل فيها على أن السؤال يكون في الصلاة، بل أطلقت السؤال، وكذلك الحديث، وهذا الإطلاق فيهما مقيد بالأحاديث التي نهت عن الكلام في الصلاة.
الفتح على المصلي: هو أن يبدأ المؤتم بالقراءة إذا تلجلج الإمام فلم يعرف بمَ يقرأ لسبب ما، كأن يغيب عن باله [10] .
حكم الفتح على الإمام وغيره: يقسم
(1) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 1، ص 237.
(2) المصدر السابق، ج 1، ص 237.
(3) المصدر السابق، ج 1، ص 237.
(4) الحطاب، مواهب الجليل، ج 2، ص 253. الآبي، جواهر الإكليل، ج 1، ص 53.
(5) النووي، المجموع، ج 4، ص 84. النووي، روضة الطالبين، ج 1، ص 396. الشربيني، مغني المحتاج، ج 1، ص 197.
(6) ابن قدامة، المغني، ج 1، ص 709.
(7) رواه أبو يعلى، أحمد بن علي التميمي
(ت 307 ه/919 م) ، مسند أبي يعلى الموصلي، تحقيق: حسين سليم، دار المأمون للتراث، حديث رقم (4560) ، ج 8، ص 44 - 45. وأخرجه الهيثمي، نور الدين الهيثمي (ت 807 ه/1404 م) ، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1988 م، ج 10، ص 15. قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح.
(8) الكاساني، بدائع الصنائع، ج 1، ص 237.
(9) المصدر السابق، ج 1، ص 237.
(10) عبد الله بن محمد بن أبي شيبة (ت 235 ه/ 849 م) ، مصنف ابن أبي شيبة، تحقيق: سعيد اللحام، دار الفكر، ط 1، بيروت، 1409 ه، ج 1، ص 52.