فيه طلب ثباته واستقراره ودوامه، فقد صحّ عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" [1] .
والوقف أدوم الصدقات؛ لأن الأصل فيه البقاء، وهو تحبيس الأصل وبقاؤه مع تسبيل الثمرة والانتفاع بالغلّة.
وما زال الفقهاء يُوصون القائمين على أمر الأوقاف بالمحافظة عليها حتى تدوم وتثبت وتستمر، ولا تنقطع.
واختلفوا في نقل الوقف من موضع إلى آخر أو تغييره بخير منه إذا احتيج إلى ذلك على أقوال مفصّلة في كتب الفقه، وعينهم ترقب بقاء ودوام ومنفعة الوقف أينما حلّ وكان [2] .
رابعًا: استقلال نظام الوقف في الإسلام: إن لنظام الوقف الإسلامي ميزة يتميز بها؛ وهي الاستقلال عمّن أوقفه وعن ذريته وعن الراعي والرعية، فإذا حبس أحدنا مالًا أو عقارًا أو شيئًا في عداد الممتلكات العامة التي لا تخضع لجَوْر الجائرين، ولا سلطان السلاطين ولا يمكن للواقف أن يرجع لنفسه ما حبسه لله سبحانه وتعالى.
كما أن الإسلام منح الواقف الحرية الكاملة في الكيفية التي يرغب بها في التصرف فيما يوقفه من أموال والشروط التي تلبي رغباته وتحقق آماله فيما يوقف، وكل ذلك فيما هو في حدود الشرع وفق القاعدة الفقهية (شروط الواقف كنصوص الشارع) ما لم تخالف نصوص الشارع، وإلا فهي كما قال
(1) سبق تخريجه.
(2) انظر: المغني لابن قدامة (8/ 220 - 228) ، ومجموع الفتاوى (31/ 216 - 220، 265 وما بعدها.