ثانيًا: لقد فتح الإسلام منابع عديدة لنفع الآخرين، فمنها ما هو واجب كالزكاة والكفارات والنذور ... وهذه لا حديث عنها باعتبارها واجبًا لازمًا على المسلم، ومن المنابع ما هو ذو طابع تطوعي بحت لا ملزم للمسلم ولا مكره له فيه، مثل الصدقات التطوعية والوقف، فالمسلم حين يتنازل عن حر ماله طواعية فهو يتمثل الرحمة المهداة في الإسلام للبشر أجمع ويتحرر به من ضيق الفردية والأنانية، متجاوزًا الأنا إلى الكل، شاملًا المجتمع بخيرية الفرد وبانيًا الجسد الواحد بكرم العضو، وهذا التفاعل تحقيق لحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي حدد فيه دور الفرد المسلم تجاه مجتمع المسلمين في الحديث الذي يرويه النعمان بن بشير ـ رضي اللَّه عنهما ـ أن رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - قال: (ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى) [1] . ولاشك أن المجتمع المتداعي كهذا الذي وصفه النبي - صلى الله عليه وسلم - سترفرف عليه ألوية التعاون، والتكافل، والتحاب، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين الناس، وستنظر إليه المجتمعات الأخرى بعين الإعجاب والرضا والقبول. ومن هنا فلا غرابة أن يتدافع الناس أفرادًا وشعوبًا للدخول في هذا الدين الذي يُوجد مثل هذا المجتمع المتداعي للخيرية بين أفراده، ويتضح هذا جليًا في العصور الإسلامية الأولى بشكل واضح.
ثالثًا: يعد الوقف بمفهومه الواسع أصدق تعبيرٍ وأوضح صورة للصدقة التطوعية الدائمة، بل له من الخصائص والمواصفات ما يميزه عن غيره، وذلك بعدم محدوديته، واتساع آفاق مجالاته، والقدرة على تطوير أساليب التعامل معه، وكل هذا كفل للمجتمع المسلم التراحم والتواد بين أفراده على مر
(1) صحيح البخاري، تحقيق: مصطفى البُغا، دار القلم، بيروت، 1401 هـ، جزء 5، ص 2238.