السرية، وإنما يقولون باستحبابها [1] .
وحجتهم على التفريق بين الصلاة السرية والجهرية، ما يأتي:
1 -أن قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] نزل في صلاة الجهر، دون صلاة السر؛ لأن السر لا يستمع إليه [2] ، قال ابن عبد البر: هذا عند أهل العلم، عند سماع القرآن في الصلاة، فأوجب الله تبارك وتعالى الاستماع والإنصات، على كل مصل جهر إمامه بالقراءة؛ ليسمع القراءة، ومعلوم أن هذا في صلاة الجهر دون صلاة السر، لأنه مستحيل أن يريد بالإنصات والاستماع، من لا يجهر إمامه، وكذلك مستحيل أن تكون منازعة القرآن في صلاة السر، لأن المسر إنما يسمع نفسه دون غيره [3] .
2 -قوله - صلى الله عليه وسلم: (( وإذا أسررت بقراءتي فاقرؤوا ) ) [4] .
3 -ما رواه أبو هريرة: (أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال:(( هل قرأ أحد منكم آنفاً؟ ) )فقال رجل: نعم يا رسول الله، قال: (( إني أقول ما لي أنازع القرآن؟ ) )فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما جهر فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقراءة من الصلوات، حين سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [5] . قال الترمذي وغيره: قوله: (( فانتهى الناس عن القراءة .. ) )هي من كلام الزهري [6] . وقال ابن عبد البر: أكثر رواة ابن شهاب عنه لهذا الحديث يجعلونه كلام ابن شهاب، ومنهم من يجعل ذلك كلام أبي هريرة [7] .
قال ابن عبد البر: ففي هذا الحديث دليل واضح على أنه لا يجوز للمأموم ـ فيما جهر فيه إمامه بالقراءة من الصلوات ـ أن يقرأ معه، لا بأم القرآن، ولا بغيرها؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستثن فيه شيئاً من القرآن [8] .
4 -بفعل كثير من الصحابة؛ كأُبيّ بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، حيث صح عنهم القراءة خلف الإمام في الصلاة السرية، دون الجهرية [9] .
قال ابن مسعود - رضي الله عنه: (إذا كنت خلف الإمام فأنصت للقرآن) [10] . وقال: أتقرؤون
(1) الاستذكار (1/ 471) ؛ والمغني (2/ 265) .
(2) الاستذكار (1/ 265) .
(3) التمهيد (11/ 28 - 29) .
(4) سنن الدارقطني (1/ 333) وقال: تفرد به زكريا الوقاد وهو منكر الحديث ومتروك.
(5) سنن أبي داود (1/ 218) وسنن الترمذي (2/ 231) وسنن النسائي (4/ 141، 142)
(6) سنن الترمذي بشرح التحفة (2/ 231) وسنن أبي داود (1/ 218) والتمهيد (11/ 25)
(7) الاستذكار (1/ 464) .
(8) التمهيد (11/ 27) .
(9) سنن البيهقي (2/ 169، 170، 171) ؛ وسنن الدارقطني (1/ 322) .
(10) الاستذكار (1/ 465) .