الصفحة 25 من 28

المطلب الخامس: الجمع والموازنة بين الأدلة والترجيح بين الأقوال

المنهج الشرعي الصحيح في الأدلة التي ظاهرها التعارض هو الجمع بينها، فالقول بأن صوتها عورة بإطلاق أو أنه ليس عورة بإطلاق محل نظر، لما في الجزم بأحد القولين من ترك لإعمال بعض النصوص التي استدل بها أصحاب القول الآخر. ولعل القول الأقرب إلى الرجحان هو القول الثاني: أن رفع صوت المرأة عورة وهذا القول تجتمع به الأدلة ولا تتعارض؛ فأدلة المنع دلالتها الصريحة في المنع على حال جهر المرأة على الرجال؛ أي الجهر المقصود، وليس العارض؛ كالخطب المشروعة وغيرها والأذان والإمامة والتسبيح في الصلاة. والأدلة العامة على أن صوت المرأة عورة؛ كحديث:"المرأة عورة"وقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) فهي محمولة على أن صوت المرأة عند الرجل ليس كصوتها عند النساء؛ لا تتحدث كحديثها إلى النساء، فالمرأة قد تتحدث إلى النساء بقصد المؤانسة والترفيه عن النفس، ولا يسوغ ذلك في حديثها إلى الرجل؛ فهو مقيد بالحاجة ولو كانت الحاجة يسيرة.

وما جاء في الأحاديث والآثار من حديث المرأة إلى الرجل زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة فهو لحاجة الفتوى ونحو ذلك ولم يكن على حال الجهر المقصود.

أما أثر أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في جهرها بالتلبية فقد خالفه أثر ابن عمر رضي الله عنهما، وإذا اختلفت آثار الصحابة لم يكن قول أحدهما حجة على الآخر، كما قرره الأصوليون في حجية قول الصحابي [1] .

أما ما ثبت فيه الجهر من نساء الصحابة عند النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يكن على وجه القصد والإعداد وإنما كان أمرًا عارضًا طارئًا، كمجيء المرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أجل الاستفتاء ويكون بحضرته رجال، أو تنبيه لازم لإزالة منكر أو ضرر ونحو ذلك، فيكون مغتفرا حتى مع القول بأنه عورة. فالعورة المخففة يغتفر فيها الشيء اليسير العارض، ونظيره: فخذ الرجل فإنه عورة حتى مع انكشاف فخذ النبي صلى الله عليه وسلم مرتين [2] ، ولكن الذي درج عليه النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته هو ستره، قال ابن القيم رحمه الله:"وطريق الجمع بين هذه الأحاديث ما ذكر غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم: أن العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة السوأتان، والمخففة الفخذان. ولا تنافي بين الأمر بغض"

(1) انظر روضة الناظر ص 165 - 166.

(2) كما ثبت في حديث عائشة وحديث أنس رضي الله عنهما: أما حديث أنس بن مالك رضي الله عنه:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر، فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم، وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر، وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم، ثم حسر الإزار (وفي رواية لمسلم: وانحسر الإزار) عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم .."أخرجه البخاري (1/ 139 ح 371) باب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ. ومسلم (2/ 1043 ح 1365) كتاب النكاح، باب فضيلة إعتاق أمة ثم يتزوجها. والحديث الآخر حديث عائشة رضي الله عنها قالت:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعًا في بيتي كاشفا عن فخذيه أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال فتحدث، ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة"أخرجه مسلم (4/ 1866 ح 2401) كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عثمان رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت